لم تمرّ التعيينات القضائية الأخيرة مرورًا عاديًا في المشهد السياسي اللبناني. فمع إقرار مجلس الوزراء تعيين القاضي أحمد رامي الحاج مدعيًا عامًا للتمييز، والقاضي أسامة منيمنة رئيسًا للتفتيش القضائي، برزت قراءة سياسية تتجاوز البعد الإداري لهذه الخطوة، لتضعها في إطار إعادة رسم موازين النفوذ داخل الدولة.
في الظاهر، تبدو التعيينات جزءًا من استكمال ملء الشواغر في مواقع حساسة داخل الجسم القضائي. لكن في العمق، تعكس هذه الخطوة تثبيتًا واضحًا لدور رئيس الحكومة نواف سلام في الإمساك بالمفاصل الأساسية للعدلية، في سابقة تعيد إلى الأذهان التجربة الحريرية التي كرّست، على مدى سنوات، أعرافًا غير مكتوبة جعلت من المواقع القضائية المحسوبة على الطائفة السنية ضمن دائرة تأثير رئاسة الحكومة.
هل نحن أمام إعادة إنتاج لتوازنات ما قبل الانهيار؟ أم أن ما جرى هو محاولة تصحيح لمسار اختلّ في مراحل سابقة؟
المعطيات تشير إلى أن سلام، الذي بدا حضوره محدودًا في التعيينات الأمنية الأخيرة، حيث سُجّل شبه إقصاء لدوره في رسم خريطة المواقع الأمنية، يسعى اليوم إلى التعويض عبر البوابة القضائية. فالتعيينات الحالية لا تكتفي بتأمين حضور شكلي، بل تضع مفاصل أساسية في يد شخصيات محسوبة ضمن بيئته أو منسجمة مع توجهاته، ما يمنحه قدرة تأثير فعلية في أحد أهم أعمدة الدولة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن البعد الطائفي-السياسي الذي يحكم توزيع السلطة في لبنان. إذ أن تثبيت هذه التعيينات يُقرأ أيضًا كإعادة تعزيز للحضور السني داخل مؤسسات الدولة، في لحظة يشعر فيها هذا المكوّن بتراجع نفوذه على أكثر من مستوى، سياسيًا وأمنيًا.
لكن، إلى أي مدى يمكن لهذا التموضع أن يصمد؟
الواقع أن الإمساك بالقضاء لا يعني بالضرورة السيطرة المطلقة عليه. فالجسم القضائي، رغم كل ما يعتريه من ضغوط وتداخلات سياسية، يبقى ساحة تجاذب مفتوحة بين القوى المختلفة. كما أن أي محاولة لتكريس نفوذ أحادي قد تصطدم بتوازنات داخلية معقّدة، أو بردود فعل من قوى ترى في ما حصل اختلالًا في معادلة الشراكة.
في المقابل، يطرح هذا المسار سؤالًا أعمق يتجاوز الأشخاص والتعيينات: هل نحن أمام تكريس جديد لمنطق المحاصصة في القضاء، أم أن ما يجري هو إعادة تنظيم للنفوذ ضمن قواعد اللعبة التقليدية؟
حتى الآن، تبدو الصورة أقرب إلى الاحتمال الثاني. فالتعيينات، بدل أن تشكّل مدخلًا لإصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته، تُدرج في سياق إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، وفق ميزان دقيق تحكمه الحسابات السياسية والطائفية.
في المحصلة، نجح نواف سلام في تحقيق اختراق واضح داخل السلطة القضائية، معيدًا تثبيت موقعه كلاعب أساسي في المعادلة الداخلية، بعد نكسة التعيينات الأمنية. لكن هذا النجاح يبقى نسبيًا، ومحكومًا بقدرة هذا التموضع على الصمود في وجه شبكة معقدة من التوازنات، حيث لا شيء يُحسم نهائيًا، وكل نفوذ يبقى قابلًا لإعادة التفاوض.

