بعد شهرين على اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو بنية الحكم في إيران أمام تحوّل غير مسبوق، مع غياب مرجعية واحدة حاسمة في قمة هرم السلطة، الأمر الذي انعكس تصلّبًا في مواقف طهران، في وقت تدرس فيه استئناف المحادثات مع واشنطن.

فمنذ تأسيس النظام عام 1979، شكّل منصب المرشد الأعلى مركز الثقل في القرار السياسي والعسكري، إلا أن مقتل علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب في 28 شباط، وانتخاب نجله مجتبى خامنئي رغم إصابته، أدّيا إلى نشوء واقع جديد يتسم بتعدد مراكز القرار.

وبحسب مصادر مطلعة، لم يعد دور مجتبى يتجاوز حدّ إضفاء الشرعية على قرارات تُصاغ داخل دوائر عسكرية وأمنية، بدل أن يكون صاحب القرار النهائي. وتشير المعطيات إلى أن السلطة الفعلية تتركز اليوم ضمن حلقة ضيقة تضم الحرس الثوري الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب المرشد.

وفي هذا السياق، برز اسم أحمد وحيدي كأحد أبرز المحاورين وصنّاع القرار على الأرض، في وقت تزايد فيه نفوذ القيادات العسكرية على حساب المؤسسات السياسية التقليدية.

هذا التداخل في مراكز القرار انعكس بشكل مباشر على المسار التفاوضي، إذ كشف مسؤول باكستاني مطلع على المحادثات أن “الإيرانيين بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم”، مشيرًا إلى غياب بنية قيادية موحّدة، ما يؤدي أحيانًا إلى تأخير الردود لعدة أيام.

في المقابل، يرى محللون أن التعقيد لا يرتبط فقط بالصراعات الداخلية، بل أيضًا بالفجوة الكبيرة بين ما تعرضه واشنطن وما يمكن للتيار المتشدد في إيران قبوله، خصوصًا في ظل هيمنة الحرس الثوري.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يقود وزير الخارجية عباس عراقجي المفاوضات، بمشاركة شخصيات بارزة مثل محمد باقر قاليباف، الذي لعب دور حلقة وصل بين الأجنحة السياسية والعسكرية.

في المقابل، تزايد حضور شخصيات متشددة مثل سعيد جليلي في الخطاب العام، من دون أن تمتلك القدرة المؤسسية على فرض توجهاتها أو تعطيل القرارات.

وتشير مصادر إلى أن صعود مجتبى خامنئي ارتبط بشكل وثيق بدعم الحرس الثوري، الذي عمل على تهميش التيارات البراغماتية، وتعزيز موقعه كضامن لأجندة أكثر تشددًا.

في موازاة ذلك، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عن “تضعضع” النظام الإيراني، مؤكدًا أن القيادة في طهران تعاني من حالة انقسام، في توصيف يعكس القراءة الأميركية للتحولات الجارية داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.

تعكس هذه التحولات بنية حكم متغيرة تحت ضغط الحرب، حيث تتقدم المؤسسات العسكرية إلى الواجهة على حساب المرجعيات التقليدية. وبين تعدد مراكز القرار وتصاعد نفوذ الحرس الثوري، تتجه إيران نحو نموذج أكثر تشددًا في الداخل والخارج، ما ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات واحتمالات التهدئة أو التصعيد في المرحلة المقبلة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version