في وقت تتقاطع فيه المسارات السياسية مع التصعيد الميداني في المنطقة، برزت سلسلة مواقف متزامنة من طهران وواشنطن تعكس استمرار الاشتباك الدبلوماسي حول ملفات الحرب ووقف إطلاق النار، في ظل جهود إقليمية تقودها باكستان لإعادة إطلاق المفاوضات.

أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي ثمّن الجهود التي تبذلها باكستان لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على إيران، إضافة إلى استضافتها مسار المفاوضات بين الأطراف المعنية.

وأوضحت أن عراقجي، خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني، أشاد باهتمام إسلام آباد بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشيراً في الوقت نفسه إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، في إشارة إلى هشاشة الوضع الميداني رغم المساعي السياسية.

كما عرض الوزير الإيراني موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، مؤكداً تمسك طهران بخياراتها السياسية بالتوازي مع متابعة التطورات على الأرض.

في موازاة ذلك، كشف مسؤول باكستاني في حديث لقناة الجزيرة عن انتهاء اللقاء بين رئيس الوزراء الباكستاني ووزير الخارجية الإيراني في العاصمة إسلام آباد، من دون الإعلان عن تفاصيل إضافية، ما يعكس حساسية المرحلة التي تمر بها المفاوضات.

على الضفة المقابلة، نقلت صحيفة واشنطن بوست عن المتحدثة باسم البيت الأبيض تأكيدها أن الرئيس دونالد ترامب يعتبر الاضطرابات الاقتصادية الحالية “مؤقتة”، مشيرة إلى أن العالم “سيصبح أكثر أماناً” في المرحلة المقبلة.

وأضافت أن ترامب يركّز بشكل أساسي على مسار المفاوضات، بهدف ضمان إزالة التهديد النووي الإيراني، في إطار مقاربة أميركية تربط بين الأمن الإقليمي والملف النووي لطهران.

تأتي هذه التطورات في سياق مرحلة إقليمية دقيقة، حيث تتداخل ملفات عدة، أبرزها التفاوض الأميركي–الإيراني، والهدنة في لبنان، إضافة إلى الحرب التي شكّلت نقطة تحوّل في موازين القوى.

برزت باكستان في الفترة الأخيرة كوسيط محوري يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين، وقدرتها على استضافة محادثات غير مباشرة بعيداً عن الضغوط الإعلامية. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، وهو ما لا يزال موضع شك حتى الآن.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية ضغط متدرّجة، تشمل حصاراً اقتصادياً وبحرياً، بالتوازي مع فتح باب التفاوض، في محاولة لفرض شروط تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية. أما إيران، فترى في هذه الضغوط محاولة لفرض وقائع سياسية، وتتمسك بحقها في تطوير برنامجها النووي ضمن ما تعتبره “سيادة وطنية”.

أما على الساحة اللبنانية، فإن أي تقدم في المفاوضات الإقليمية ينعكس مباشرة على الوضع الميداني، حيث تبقى الهدنة هشّة وقابلة للانهيار في أي لحظة، في ظل استمرار الخروقات والتوترات العسكرية.

وبين هذه المسارات المتشابكة، يبدو أن المنطقة أمام مرحلة “إدارة صراع” طويلة، لا حسم فيها قريباً، بل توازنات دقيقة تتحكم بها حسابات دولية وإقليمية معقّدة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version