تأتي زيارة الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت في إطار حراك سعودي متسارع يعكس حجم الاهتمام السعودي المتجدد بالملف اللبناني، في ظل مرحلة دقيقة تشهدها المنطقة، ويُنظر إلى هذا التحرك على أنه جزء من دور سعودي مرتقب يهدف إلى احتواء التوتر، ودعم الاستقرار الداخلي، ومنع انزلاق الساحة اللبنانية نحو مزيد من التصعيد، عبر تحصين الوضع السياسي وتفعيل قنوات التفاهم بين مختلف الأطراف.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي نضال السبع، في حديثه لـ”ليبانون ديبايت”، إنّ الجانب السعودي استشعر خطورة الوضع في لبنان، ونفّذ إنزالًا دبلوماسيًا في بيروت، حاملًا عددًا من الأفكار.

وأوضح السبع أنّ أهم هذه الأفكار يتمثّل في تحصين الوضع الداخلي من خلال لقاء الرؤساء الثلاثة: الرئيس جوزاف عون، ونبيه بري، ونواف سلام، ومن ثم الذهاب إلى حوار وطني داخلي للاتفاق حول العناوين المطروحة، من المفاوضات وغيرها. وأضاف أنّ السعودية تعمل أيضًا على توفير شبكة أمان للبنان عبر ممارسة الضغوط على الإدارة الأميركية وعلى الرئيس دونالد ترامب للاستمرار في وقف إطلاق النار وتمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، كما تعمل، في هذه الأوقات، على توفير الغطاء العربي للبنان.

وأشار إلى أنّ لبنان يقف اليوم أمام دور سعودي محوري، هدفه الأبرز منع الانفجار الداخلي، لافتًا إلى أنّ السعوديين استشعروا خطورة المسار في لبنان، ما دفع الأمير يزيد بن فرحان إلى زيارة بيروت، بالتزامن مع جولة المفاوضات في الولايات المتحدة، حيث تحرّك بسرعة مع الأطراف اللبنانية، في حين كان الأمير فيصل بن فرحان يتواصل مع الإدارة الأميركية.

وأكد السبع أنّ السعوديين لا يزالون متمسكين بالمبادرة العربية، في مقابل سعي بنيامين نتنياهو إلى تحقيق سلام بشكل منفرد، وليس جماعيًا، في حين أنّ المصلحة العربية تقتضي الذهاب إلى عملية سلمية جماعية.

وأوضح أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر وضعت نصب عينيها دفع لبنان وسوريا نحو عملية تفاوضية بشكل منفرد، بعيدًا عن العرب، معتبرًا أنّ هذا الأمر لا يصب في مصلحة السعوديين ولا العالم العربي ولا لبنان، لأنّ لبنان، إذا ذهب إلى المفاوضات في ظل التفوق الإسرائيلي، سيكون عرضة للخضوع للشروط الإسرائيلية. وقال: “إنّ هذا الواقع هو ما دفع السعوديين إلى التحرّك لتحصين لبنان وحمايته”.

وفي ما يتعلّق بتقريب وجهات النظر بين الرئاسات الثلاث، أشار السبع إلى أنّ وجود نواف سلام في عين التينة يؤكد حصول تقدّم، لافتًا إلى أنّ حديثه تغيّر، إذ أعلن للمرة الأولى بالأمس أنّ “الخط الأصفر” لا يمكن التعايش معه، كما لا يمكن القبول بمنطقة أمنية في جنوب لبنان، داعيًا إلى الانسحاب الإسرائيلي.

وأضاف أنّ المطالب اللبنانية، التي نقلتها السفيرة اللبنانية في واشنطن، شملت ضرورة وقف إطلاق النار، ووقف هدم القرى والمنازل، ووقف استهداف المستشفيات، إضافة إلى وقف استهداف الصحفيين والمدنيين، مشيرًا إلى أنّ اللهجة اللبنانية شهدت تحوّلًا واضحًا بعد هذا التحرّك السعودي، لكن، وعلى الرغم من ذلك، يطرح السبع تساؤلًا حول عدم أخذ الجانب الأميركي بالمطالب اللبنانية، وفق ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب، إذ لم يشر إلى وقف إطلاق يد إسرائيل في لبنان، ما يثير تساؤلًا حول أهمية طرح مطالب لا يتم الأخذ بها.

وفي هذا الإطار، أوضح السبع أنّ الرئيس دونالد ترامب لم يعلن أنّه سيوقف إسرائيل عن هذه العمليات، بل يتعامل مع الاتفاق القائم كما هو، أي وقف إطلاق النار مع استمرار البند الثالث الذي يمنح إسرائيل حق تنفيذ عمليات عسكرية في حال شعرت بوجود خطر يهددها، وهو بند كان موجودًا أيضًا في اتفاق 27-11، ما يعني أنّه عمليًا لم يتغيّر شيء.

لكن السبع أشار إلى استثناء وحيد، وهو أنّ الرئيس ترامب، بعد الضغوط السعودية، وافق على تمديد الهدنة لمدة ثلاثة أسابيع، معتبرًا أنّ هذا الأمر مهم جدًا.

وفي ما يتعلق بعدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار منذ الأمس، لفت إلى وجود فارق عن المرحلة السابقة، إذ إن استمرار العمليات العسكرية، وما كان يرافقه من قصف يستهدف البقاع وبيروت والضاحية، قد توقّف، وأصبحت العمليات الإسرائيلية محصورة جنوب خط الليطاني وبشكل محدود.

وأكد السبع أنّ تمديد الهدنة يشكّل فرصة، بانتظار أن تبادر الدولة اللبنانية إلى التقاط هذه الفرصة السعودية، من خلال عقد اجتماع تمهيدي بين الرؤساء الثلاثة للاتفاق على العناوين المشتركة، بما فيها ملف المفاوضات وكيفية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي المستجد في جنوب لبنان، ومن ثم الذهاب إلى حوار وطني لبناني شامل للاتفاق حول كل هذه العناوين.

ورأى أنّ السير في هذه الخطوات، بالتوازي مع توفير السعودية الغطاء العربي والدولي للبنان، من شأنه أن يشكّل عبورًا إلى مرحلة مهمة بالنسبة للبلد.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version