في لبنان اليوم، يجري شدّ الحبال بين فريقين سياسيين يمثلان مسارين متناقضين بحيث يسعى كل منهما لاعادة تعريف موقع البلد في قلب العاصفة الإقليمية، وهو ما يحتم حل وسطي يحفظ لبنان وثوابته.
هناك فريق يرى أن ما بعد الحرب لا يمكن فصله عمّا قبلها، وأن لبنان، بحكم موقعه ودوره وتركيبته، جزء من مسار إقليمي لا يمكن ان يكون مع إسرائيل، وبالتالي يجب أن يكون حاضراً اليوم على طاولة ترتيبات إنهاء الحرب بين ايران واميركا. في المقابل، فريق آخر يراهن على لحظة تموضع لبنان بالكامل ضمن الفلك الأميركي، عبر فصل المسار اللبناني عن مسار الصراع الأوسع، وتحويله إلى ملف تفاوضي مستقل ولو على حساب التوازنات الداخلية.
بين هذين الاتجاهين، يجر لبنان، اتجاه اول يقول إن أي تسوية لا تمر عبر الاعتراف بدور المقاومة وسلاحها هي تسوية ناقصة أو وهمية، لأن إسرائيل نفسها لم تنجح في فرض شروطها بالحرب، فكيف يمكن منحها ما عجزت عنه بالقوة على طاولة التفاوض؟ والثاني يردّ بأن استمرار ربط لبنان بمحور إقليمي مفتوح على احتمالات التصعيد الدائم يعني إبقاء البلد في دائرة النار، وأن “الفرصة” تكمن في انتزاع لبنان من هذا الاشتباك وإدخاله في منظومة حماية دولية، حتى لو كان ثمن ذلك إعادة صياغة التوازن الداخلي، وهذا رهان خطير جدا.
في هذا الاشتباك، يبرز مسار ثالث يحاول أن يشق طريقه بصعوبة، وهنا تحديداً يتحرك رئيس المجلس النيابي نبيه بري، مستفيداً من نافذة إقليمية فُتحت على وقع التقارب الإيراني السعودي قبل الحرب عبر الصين وبعدها عبر الاتصال الهاتفي بين وزيري خارجية ايران والسعودية، والتحدي هو ما اذا كان بالامكان إعادة إدخال السعودية إلى المعادلة اللبنانية كقوة توازن، لا كطرف في الصراع؟
بحسب المعلومات الخاصة بليبانون ديبايت فإن المقاربة التي يجري العمل عليها لا تقوم على إلغاء التناقض القائم، بل على احتوائه لكي يتحول لبنان إلى مساحة تقاطع مصالح، حيث تلعب الرياض دور الضامن أو الوسيط القادر على التحدث مع واشنطن من جهة، ومع طهران من جهة أخرى، بما يتيح إنتاج تسوية داخلية تحفظ التوازنات وتحمي الطائف وتطبقه بعد انسحاب إسرائيل.
هذه الفكرة بحسب المعلومات ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم معنى مختلفاً، لأن البيئة الإقليمية، فإيران لم تعد في موقع الدفاع كما في السابق، والسعودية لم تعد في نفس الموقع السابق قبل الحرب ونظرتها لمستقبل المنطقة، ومصالحها وامنها ورؤيتها تبدلت، وهذا قد يسهل لها دورها.
لا شك أن التفاوض مع إسرائيل، مهما كان شكله أو مستواه، لا يمكن أن يكون خارج التوافق الوطني، فهذا التفاوض عبارة عن فعل سيادي يؤثر على مصير لبنان وتركيبته، لذلك من الصعب بمكان التوجه اليه بظل الواقع الحالي، علما ان الذهاب بهذا الاتجاه يظل الخلاف يعني ان هناك من يريد الاستعجال لتحقيق انتصارات وهمية لا تصرف بالداخل.
التجربة اللبنانية مليئة بالدروس في هذا السياق. كل مرة دخل فيها لبنان في ترتيبات كبرى من دون توافق داخلي، انتهى الأمر إما بانفجار داخلي أو بفرض وقائع خارجية. من اتفاق 17 أيار إلى مراحل لاحقة، كان الخلل دائماً في أن جزءاً من اللبنانيين شعر بأن الاتفاق فُرض عليه، أو أنه يخدم خصمه الداخلي أكثر مما يخدم المصلحة الوطنية، والنظر الى التاريخ مهم جدا في هذه المرحلة لمنع تكرار الاخطاء نفسها.
الطريق الى الحل لا يكون اسرائيليا بل عربيا اقليميا، ولبنان لطالما ربط مساره بقضية فلسطين واحتلالها بالمسار العربي والموقف العربي، ومن هنا تحديداً تصبح فكرة إعادة الدور السعودي جزءاً من محاولة أوسع لإعادة إنتاج التوازن الذي يحكم البلد، بدل محاولات الكسر التي لن توصل سوى للفوضى والصدام.
