في ضوء الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ أمس، تتصاعد الدعوات إلى التعاطي مع مرحلة ما بعد الحرب بأعلى درجات المسؤولية، خصوصًا في ما يتعلق بملف عودة النازحين إلى منازلهم وأراضيهم في المناطق التي تعرّضت لقصف وتدمير واسع.

وفي هذا السياق، تؤكد رئيسة “الهيئة اللبنانية للعقارات” المحامية أنديرا الزهيري، في حديثٍ لـ”ليبانون ديبايت” أن هذه الهدنة، رغم أهميتها، لا تعني انتهاء الحرب أو زوال الأخطار، ما يستدعي مقاربة حذرة تأخذ في الاعتبار استمرار التهديدات الأمنية والميدانية.

وتوضح الزهيري على أن مسار إعادة الإعمار لا يمكن أن يتقدّم بشكل طبيعي أو مستدام ما لم تتوقف الحرب بشكل كامل وينسحب الاحتلال من جميع الأراضي، معتبرة أن أي محاولة لإطلاق عملية إعادة إعمار أو عودة منتظمة في ظل واقع غير مستقر ستبقى عرضة للتعطيل والتراجع، ولن تؤسس لعودة آمنة ودائمة للسكان.

وتلفت إلى أن العديد من المناطق المتضررة لا تزال تحتوي على مخلفات حربية خطرة، من ذخائر غير منفجرة ومواد متفجرة، إضافة إلى أجسام مشبوهة قد تبدو جذابة للأطفال، ما يرفع من احتمالات وقوع حوادث مأساوية، محذرة من المخاطر البيئية والصحية الناتجة عن رواسب الدمار والانبعاثات والغازات الضارة، وما قد يكون قد تحلل تحت الركام، الأمر الذي يشكّل تهديدًا مباشرًا لصحة السكان.

وتشدد على ضرورة توخي الحذر الشديد عند العودة، وتجنّب دخول الأبنية المتضررة أو العبث بأي أجسام غريبة، لاحتمال احتوائها على مواد قابلة للانفجار أو عناصر سامة كامنة تحت الأنقاض.

وفي ما يتصل بمرحلة ما بعد تثبيت وقف إطلاق النار، تؤكد الزهيري أن العودة يجب ألا تكون عشوائية أو فورية، بل منظمة وتحت إشراف الجهات المختصة، على أن تبدأ بعمليات المسح الميداني والكشف عن الذخائر غير المنفجرة وإزالتها، يليها تنظيف الأراضي من الملوثات، ثم إجراء تقييمات السلامة البيئية والصحية، قبل السماح بعودة السكان وأصحاب الحقوق إلى منازلهم.

وفي السياق نفسه، تدعو إلى الإسراع في تشكيل لجان متخصصة لإعادة تنظيم وتثبيت الحدود العقارية وترسيمها، تضم خبرات قانونية وهندسية ومساحية وطبوغرافية، نظرًا لتعقيد المرحلة وطول مسارها.

وتوضح أن إعادة الإعمار تبدأ فعليًا بإزالة المخلفات الحربية والمواد الخطرة، قبل الانتقال إلى مراحل الترسيم العقاري وتحديد كل عقار بدقة وإعادة ترقيمه بما يحفظ حقوق المالكين، مع التشديد على ضرورة إجراء مسح شامل حتى للأبنية التي لم تتضرر بشكل مباشر، للتأكد من سلامتها الإنشائية والبيئية، سواء في مناطق النزاع أو في المناطق التي تأثرت بشكل محدود.

وتضيف أن هذه العملية ستعتمد على تقنيات حديثة، من بينها الخرائط الجوية وصور الأقمار الصناعية، ما يتطلب توفير بيئة عمل متكاملة من النواحي الأمنية والقانونية والفنية والإدارية، مؤكدةً أنه لم تعد إحصاءات المباني المدمّرة أو المهددة بالسقوط كافية، بل أصبحنا بحاجة إلى إعادة مسح كامل فني ومناطقي لإعادة ترسيم المناطق وحدود البلديات والأراضي والعقارات.

وتحذر من أن لبنان مقبل على مرحلة طويلة ومعقدة تتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية، مشددة على أن حق أصحاب الأرض في العودة إلى ديارهم حق ثابت لا يسقط مع الزمن، ومعربة عن أملها في أن ينعم لبنان بسلام دائم واستقرار فعلي يتيح إعادة إعمار آمنة ومستدامة.

وتختم الزهيري بالقول: “الرحمة للشهداء، الشفاء للمصابين، والحرية والاستقرار للبنان وشعبه”، معربةً عن أملها في أن تتجاوز البلاد هذه المرحلة الصعبة بأسرع وقت ممكن،

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version