تشهد الساحة اللبنانية واحدة من أكثر اللحظات دقة في تاريخها الحديث، حيث تتقاطع التحركات الدبلوماسية مع الحسابات العسكرية في مشهد معقد يختصره عنوان عريض: عشرة أيام، المهلة الزمنية المحددة لوقف إطلاق النار والتي تم تمديدها، قد تعيد رسم مستقبل البلاد. فمع بدء مؤشرات الانفتاح السياسي، وظهور مسارات تفاوض غير مسبوقة مع إسرائيل، يقف لبنان أمام مفترق طرق حاسم بين الانزلاق إلى مزيد من التوتر أو الشروع في مسار طويل نحو التهدئة.

بداية مسار تفاوضي غير مسبوق

اللقاء الذي جمع سفيرة لبنان مع السفير الإسرائيلي في واشنطن الثلاثاء الفائت شكّل نقطة تحوّل لافتة، إذ فتح الباب أمام بدء مفاوضات مباشرة، ولو على مستوى السفراء. الأهم في هذه الخطوة ليس فقط مضمونها، بل رمزيتها: للمرة الأولى منذ عقود، يأتي طلب التفاوض من الجانب اللبناني، في سابقة تعكس حجم الضغوط والتحديات التي تواجهها الدولة اللبنانية.

هذا التطور تبعه تحرك دولي سريع وعلى مستوى أعلى، تمثل في اتصال هاتفي بين رئيس الجمهورية جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدوره تواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليُعلن لاحقًا عن وقف لإطلاق النار، ما أتاح فسحة زمنية ضيقة لإعادة ترتيب الأوراق، مع إعلان الرئيس الأميركي عن لقاء مرتقب بين عون ونتنياهو في البيت الأبيض.

ماذا بعد وقف إطلاق النار؟

الأيام القادمة ستكون اختبارًا فعليًا لقدرة الحكومة اللبنانية على الإمساك بزمام المبادرة. التحدي الأبرز الذي تراقبه واشنطن وتل أبيب والدول التي تدخلت لوقف إطلاق النار يتمثل في تنفيذ قرارها القاضي باعتبار الجناح العسكري لـ”حزب الله” منظمة غير شرعية، وهو قرار يحمل في طياته تداعيات داخلية شديدة الحساسية.

فهل تمتلك الدولة الأدوات السياسية والعسكرية لفرض هذا القرار؟ أم أن الواقع الميداني سيبقى أقوى من النصوص الرسمية؟

معضلة “حزب الله”: بين الداخل والخارج

التعامل مع “حزب الله” في هذه المرحلة يطرح سيناريوهات متعددة. ففي حال الضغط عليه قد يلجأ إلى افتعال إشكالات داخلية، ما قد يُدخل البلاد في دوامة من عدم الاستقرار الأمني. أما إذا اختار التهدئة، فقد يكون ذلك بداية لتحول تدريجي في دوره وموقعه.

السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل سينصاع الحزب لقرارات الحكومة؟ وهل يمكن أن يقدم على تسليم سلاحه؟

حتى الآن، يبدو هذا الاحتمال مستبعدًا، خصوصًا أن خطوة كهذه ستضعه في موقف محرج أمام جمهوره الذي دفع ثمنًا باهظًا خلال السنوات الأخيرة، مع موجات نزوح متكررة خلال ثلاث سنوات، وآلاف الضحايا، وتدمير عشرات آلاف المباني السكنية. تبرير خطوة كهذه سيكون بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا في المدى القريب.

إسرائيل: المستفيد الأول

في المقابل، تبدو إسرائيل في موقع قوة. فبعدما كانت سيطرتها تقتصر على بضع نقاط داخل الأراضي اللبنانية، توسّع نفوذها ليصل إلى عمق يقارب عشرة كيلومترات جنوب الليطاني. هذا الواقع الميداني يمنحها ورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات مقبلة، كما أن اتفاق وقف إطلاق النار أعطاها الحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس ضد أي هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية، ما يعني إمكانية مواصلة تنفيذ استهدافات مماثلة لتلك التي كانت تقوم بها خلال الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار السابق في تشرين الثاني 2024 وحتى اندلاع المواجهات الحالية.

إسرائيل ستراقب عن كثب كيفية تعامل الجيش اللبناني مع “حزب الله”، كما ستقيّم جدية الحكومة في مقاربة ملف السلام. وفي جميع الأحوال، تبقى المعادلة الحالية واضحة: إسرائيل تسيطر ميدانيًا في الجنوب، فيما لا وجود مماثل للحزب داخل الجليل.

من “الأرض مقابل السلام” إلى “وقف النار مقابل السلام”

التحول الأبرز في المشهد يتمثل في تغيّر قواعد اللعبة. فالمعادلة التقليدية التي كانت قائمة على مبدأ “الأرض مقابل السلام” تبدو وكأنها انتهت، لتحل محلها معادلة جديدة تسعى إسرائيل إلى فرضها، تقوم على “وقف إطلاق النار مقابل الشروع بالتفاوض نحو السلام”.

هذا التحول يعكس ميزان القوى الجديد، ويضع لبنان أمام خيارات صعبة، حيث لم يعد الانسحاب الإسرائيلي أمرًا سريعًا أو مضمونًا.

دروس التاريخ: السلام يحتاج وقتًا

التجارب السابقة في المنطقة تؤكد أن السلام لا يتحقق بين ليلة وضحاها. زيارة أنور السادات إلى إسرائيل عام 1977 شكّلت بداية مسار طويل بدأ بتفاوض غير مباشر قاده هنري كيسنجر بعد حرب 1973، وتُوّج باتفاقية كامب ديفيد ثم معاهدة السلام عام 1979.

الأمر ذاته ينطبق على الأردن، الذي بدأ مفاوضاته خلال مؤتمر مدريد، قبل أن يوقّع اتفاقية وادي عربة بعد سنوات من الحوار. حتى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء لم يكن فوريًا، بل استغرق ثماني سنوات من الاتفاقات المرحلية وصولًا إلى الانسحاب الكامل عام 1982، مع بقاء طابا نقطة خلاف حتى عام 1989.

لبنان أمام اختبار تاريخي

اليوم، يقف لبنان أمام لحظة مشابهة، لكن بشروط أكثر تعقيدًا. فبين ضغوط الداخل وحسابات الخارج، وبين سلاح “حزب الله” ومتطلبات الدولة، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، والأسئلة تبقى مفتوحة:

هل تبدأ الحكومة في فرض سيادتها بصورة مختلفة عما كان عليه الوضع قبل 2 آذار الماضي؟

هل ينخرط “حزب الله” في المسار الجديد أم يعرقله؟

وهل يكون وقف إطلاق النار بداية لمسار سلام طويل، أم مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة؟

في هذه الأيام العشرة، قد لا تُحسم كل الإجابات، لكنها ستضع الأساس لما سيأتي. وفي لبنان، غالبًا ما تكون البدايات الصغيرة مقدمة لتحولات كبرى: فإما البدء بمسار حقيقي نحو السلام بكل ما يتطلبه ذلك من فرض سلطة الدولة وامتلاك قرار الحرب والسلم، وإما على البلد السلام.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version