كتبت فتات عيّاد في نداء الوطن:
لم تشاهد “أم أحمد” مؤتمر “بيروت آمنة وخالية من السلاح” لنواب بيروت أمس. فالحاجّة البيروتية، كانت تعيد فرش سجاد منزلها بعد غسله، وتقفل الشبابيك والأبواب الزجاجية الجديدة جيدًا، لتشرب فنجان قهوتها الأوّل في منزلها اليوم، بعدما أصلحته على نفقتها ممّا ادّخرته لـ “اليوم الأسود”. ولم تكن “أم أحمد” تتصوّر بأن يكون هذا اليوم “أربعاء أسود” ليس عليها وحدها بل على مدينتها بيروت.

فتداعيات أربعاء بيروت الأسود، في 8 نيسان، الذي ضربت فيه إسرائيل أكثر من 100 ضربة في لبنان في دقائق معدودة، كان لبيروت العاصمة فيها النصيب الأثقل. على الصعيد الإنساني، ما زالت إلى اليوم متجسّدة بعمليات البحث المستمرّة عن أشخاص تحت الأنقاض في عين المريسة، وعلى الصعيد “السياسي” بقرار حكومة الرئيس نواف سلام، بـ “بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية”، الذي أتى كإعلان مخفف لـ “بيروت منزوعة السلاح”، وسط حديث يتهامسه سكان المباني المحيطة بـ “الهنغار” المستهدف في كورنيش المزرعة، حول احتوائه أسلحة لـ”حزب اللّه”.

أمّا على مستوى التداعيات شعبيًّا، في البيئة البيروتية، فتقول “أم أحمد”: “لم يزرني نائب، ولم يكلّمني أحد من دولتي في خسائري المالية”… شو خصنا نحنا ليخبوا سلاح بهنغار بكورنيش المزرعة؟ شو كان صار لو كنت مع عيلتي بالبيت يومًا؟ يمكن أنا عاملة شي منيح بحياتي حتى ربنا نجاني مع عيلتي من الموت.. بس هيدا الوضع ما بينسكت عنو… بيروت نحنا ولادا ونحنا ما بدنا هيدي الحرب على أرضنا”.

ولأهالي بيروت، عندما تطفَأ الكاميرات حديث آخر، عن حرب ليست حربهم في عقر دارهم. فماذا يقولون عن “بيروت منزوعة السلاح”؟ ماذا عن استهداف بيروت الرافضة سلاح “الحزب”؟ وماذا عن شعبية نواف سلام اليوم؟

كسينما هوليوود: بيتي مش هيدا يللي عمرته حجر حجر

عند تقاطع إحدى إشارات سير خط كورنيش المزرعة المروري، تمرّ آلاف السيارات يوميًّا، كشريان حيوي يربط العاصمة ببعضها.

هناك ضرب مبنى وضرب هنغار في ما عرف بـ “ضربة كورنيش المزرعة”. هنا لسنا نتحدث عن الضاحية الجنوبية لبيروت، المحسوبة كبيئة حاضنة لـ “حزب اللّه”، بل عن عمق بيروت الإدارية، غير الموالية لهذا السلاح، بل والتي دفعت ثمن بقائه خارج الشرعية، في 7 أيار 2008، وها هي في “الأربعاء الأسود” تدفع كلفة حربه مع إسرائيل غاليًا، بدماء أهلها وبممتلكاتهم.

تروي لنا “أم أحمد” مصابها: “طلع الانفجار، وربنا شاء إنو ما نكون بالبيت، أولادي خبوا عني إنو بيتنا من المباني المتضررة أضرار فادحة، وأنا فكرت الأضرار اقتصرت على المبنى المستهدف والهنغار، وما كنت بعرف إنو المنطقة كلا صارت ساحة حرب”.

وعن مشاهداتها الأولى، تقول: “حسيت حالي في استوديوات هوليوود، دخان وعتمة لا ينقصها سوى موسيقى حزينة كنت أسمعها في رأسي، وأشمّ رائحة قوية جدًا، لا أدري هل هي رائحة موت أم رائحة بارود أم ماذا؟”. أمّا مدخل المبنى “فكأنه اختفى من مكانه، كل الزجاج من واجهات سويّ بالأرض”.

وتكمل: “فتت على البيت، منو بيتي، منو كل بلاطة يللي أنا تعبت فيها حتى إسكن فيها وكون قاعدة بأمان فيه… شبابيك ما في. منو الشباك اللي نضّفته بإيدي ولمّعته ليكون نضيف”. أما الغرف “فليست الغرف التي تركتها، بل كأنها دهاليز، وكانت الدمعة بعيني وكأني خارج المكان ولا أدري من أين أبدأ؟.

فالزجاج من أبواب شرفات إلى شبابيك، والأبواب الأكورديون، والـfaux plafond كله سوّي بالأرض، وحتى الأبواب الخشبية خُلّعت، والغبار ملأ المكان، وأصبت بشعور لم أتوقع في حياتي المرور به”.

نواسي “أم أحمد” بقولنا “الحمدلله إنت والعيلة ما كنتو بالبيت”، فتجيب “هيدا الشي حسيته تاني يوم، حمدت الله إني ما كنت بالبيت، وصرت إنْقَزْ، وإتخيل، شو كان صار لو أنا كنت؟ لو زوجي كان؟ لو ولادي صرلن شي؟ لو وقعت واجهة زجاج على حدا نايم بالتخت؟ ما الزجاج كلو صار متل الشفرة بيقص قصّ”.

وتختصر المأساة بقولها: “سمعت من جيراني قديه خافوا لحظة الانفجار، وانهرت ما قدرت حط حالي مطرحن، بس اللي قوّاني هني الناس اللي دقولي يطمنوا، حتى أشخاص إلنا سنين مش حاكيين، دقوا وكلن فتحولي بيوتن”.
جرح 7 أيار يعود للواجهة

أما فرح، التي تعيش في محيط ضربة كورنيش المزرعة، والتي صودف عدم وجودها في المنزل الذي تشبه حالة الخراب فيه حالة بيت أم أحمد، فتسأل “لماذا يخزّن حزب اللّه صواريخ في مناطق لبنانية لا تواليه سياسيًا؟ نفهم أن يخزن في الضاحية وفي الجنوب كبيئة حاضنة، لكن بين الأبنية السكنية المدنية، في شارع حيوي يربط كل بيروت غير الموالية له أصلًا؟”.

وتقول: “يطلبون منا أن نتحمل معهم مسؤولية، ونقول لهم في المقابل نحنا ما منحمل هالمسؤولية، مسؤولية حرب ما بدنا ياها، ولا مسؤولية إنو يتخبوا بيناتنا ويعرضونا معن للخطر، وهيدا الشي ما بيعني إنو نحنا صهاينة مع إسرائيل”. وتضيف: “شو بدنا بالسلاح؟ بشو حامينا؟ بالعكس هو توجه ضدنا بـ 7 أيار ببيروت”.

وتستخلص فرح أن “حزب اللّه مستوطي حيط البيروتي، من 7 أيار، لدخول مدارس بالقوة بحرب إسناد غزة، لهنغار كورنيش المزرعة، بهدف فرض السيطرة على بيروت. أما “انتحار” الشباب في الجنوب واختباء القادة في بيروت، فهذا برأيها “ما اسمه مقاومة”.

وضربة كورنيش المزرعة، أعادت لفرح كما كثر من “البيارتة”، تروما “7 أيار” يوم اجتاح “حزب اللّه” بيروت. تقول “كنت صغيرة، بتذكر انعمل حاجز للحزب، وصاروا يكمشوا الناس وياخدوهن على بربور شي يرجع شي لاء. أنا كيف بدي شوف هيدا الحزب مقاومة؟”، مضيفة أن “لغة الصبابيط ليست لغتنا، أما عزتنا وكرامتنا فتجلت باستقبال النازحين، فهؤلاء أهلنا ومشكلتنا ليست مع اللبنانيين النازحين بل مع السلاح غير الشرعي الذي يعرّضهم ويعرّضنا للخطر، ونحن اليوم مع نواف سلام بنزع السلاح في بيروت، لحماية مدينتنا من سلاح “حزب اللّه” ومن أي ضربات جديدة للعاصمة، وكذلك من 7 أيار جديد”.
فقدنا وظائفنا… كرمال مين؟

“حزام أمني”. هكذا تصف غنى، وهي بيروتية تنزل يوميًا من منطقة بشامون إلى بيروت الإدارية لتلتحق بعملها، شعورها يوم الأربعاء الأسود: فقدنا الاتصال برفيقي في العمل، ولم أكن أعلم أنه مصاب في المستشفى، زوجي كان عند نقطة الكولا يغادر بيروت، بعد دقائق فقط على مروره من إشارة كورنيش المزرعة حيث سقط الصاروخ، الذي رآه بأم العين، وحين مغادرتي العمل ذلك النهار بعد ساعات على الضربة نتيجة عدم القدرة على التحرّك داخل المدينة، بسبب الإسعافات والإغاثة، كنت أقبّل أبنائي لدى وصولي للمنزل كمن يقول لهم “الحمدلله رجعت شفتكن”.

“فكل يوم عمل لي، لا سيما وأنني أمر من طريق المطار وأخشى ضربات محيطة، هو كمن يضع دمه على كفه لتأمين معيشة أولاده”، تقول غنى. وعن رأيها السياسي في كل ما يجري، تكتفي بجملة “يحلوا عنا، سلاح غير شرعي ما بدنا، نحنا ناس بدنا نعيش”.

أما محمود، فنجا من الموت في لحظات. يقول “كنت حد ضربة الأوزاعي ذاهب باتجاه عرمون”.

محمود، الذي يعمل في القطاع السياحي، ككثيرين من أبناء بيروت الذين اشتروا منازل خارج مدينتهم فـ “هجروا” منها قسرًا، لم يكن خطر الموت المتنقل وحده ما عليه مواجهته في هذه الحرب، بل أيضًا خسارة عمله بسبب الوضع الأمني.

يقول: “غصب عنا بدّن يعملولنا حرب ويوضعونا أمام أمر واقع: أنا كرمال مين بدي إقعد بلا شغل اليوم؟ كرمال مين عم بتديّن؟ كرمال مين عم نام وغصة بقلبي كيف بدي أمّن معيشة العيلة؟ أنا كنت مبسوط بشغلي قبل ما يوقف الشغل بسبب الحرب، مين وصّلنا لهالمرحلة؟ هني اللي وصّلونا، يللي أخدوا قرار بالحرب”. محمود الذي يرفض وضعه أمام خيارين، إما العمل “كيفما كان بعدما كنت مديرًا” وإما السفر وترك العائلة قسرًا، يضيف “رفقاتي عم يطلبوا مني مصاري، طيب أصحابك ما معن يدينوك ولا إنت قادر تساعدن، كيف بعيش؟”.

ويشدّد محمود على أننا كبيارتة “ما بدنا نحط إيدنا بإيد إسرائيل بس ما بدنا نحط إيدنا بإيد إيران أيضا”، مذكرًا كيف حرك “الحزب” جبهة الجنوب اليوم ردًّا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أي خدمة لمشروع ولاية الفقيه. “فإسرائيل عدو تاريخي، وإيران أيضًا خطر على لبنان”، سائلًا “أي شرف يكمن بأن تستغلني وتضعني أمام الأمر الواقع بأن تقحمني في حرب مع إسرائيل؟ لو هي من بدأت وكنا كلبنانيين في موقع دفاعي، كنا لنسكت”.

وعن بيروت منزوعة السلاح، يعلق “متل هالبيارتة كلنا بدنا هيدا الشي بس مش مصدقين يحصل، لا سيما وأننا نخشى دائمًا من خطر تحريك حرب داخلية كـ 7 أيار جديد”. وعن رئيس الحكومة نواف سلام، يرى محمود أنه “بدو بلد”، وهو يضع مصلحة لبنان أولًا، فهو رجل وطني بامتياز، ويريد دولة مؤسسات، وجميعنا نريد دولة سلاحها شرعي للجيش اللبناني وحده”.

هذا ويستنكر “صمت بيارتة كثيرين”، فجزء كبير من الطبقة الوسطى في المدينة برأيه، مرتاح لوضعه، لأن أولادهم يدرسون في الخارج، فيما جزء آخر جبان لا يواجه، والمطلوب نهضة فكرية وسياسية في بيروت، تقول وتعمل جهارة على تطبيق إعلان “بيروت منزوعة السلاح”.
نواف سلام: الخلاص؟

ارتفعت شعبية رئيس الحكومة نواف سلام بشكل غير مسبوق اليوم، على المستوى الشعبي عمومًا، وكذلك المستوى البيروتي، وحتى في المناطق حيث نفوذ “تيار المستقبل”. إذ إن يافطات رفعت في الطريق الجديدة كشارع أبو سهل وغيره.

ويصدف حصول “مؤتمر بيروت آمنة وخالية من السلاح”، للنواب الذين طالبوا “بتنفيذ انتشار أمني فعّال وشامل للجيش اللبناني والقوى الأمنية بما يضمن حماية المواطنين من دون أيّ سلاح خارج الشرعيّة”، بعد 4 أعوام على مؤتمر انطلاقة لائحة بيروت التغيير في دائرة بيروت الثانية، التي رفعت صورة يومها بعنوان “جيل جديد من النواب… لبيروت خالية من السلاح”.

وعلى الرغم من عدم توحد نواب بيروت طيلة 4 أعوام، فإن قرار الحكومة اليوم ينقل “بيروت منزوعة السلاح” من الشعار إلى القرار الحكومي قيد التنفيذ.

أما الشارع البيروتي، الذي يلملم جراحه وخسائره بالأرواح والماديات وحيدًا، فيما مساعدات الهيئة العليا للإغاثة تقتصر على الأضرار المباشرة حيث الاستهدافات، فلا تعويض له أقل من “بيروت منزوعة السلاح”.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version