نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية تقريراً جديداً سردت فيه تفاصيل ما حصل فعلاً في إسلام أباد خلال المفاوضات التي أجريت بين أميركا وإيران، يوم السبت الماضي، وانتهت بـ”الفشل”.
التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24″ وصف مفاوضات السبت بـ”الماراثونية” واستمرّت 21 ساعة، مشيراً إلى أن ما صدر بشأن المفاوضات يفيدُ بأنه تمّ الاتفاق على معظم النقاط، لكن النقطة الوحيدة المهمة حقاً، وهي النقطة النووية، لم يتم الاتفاق عليها، وفق ما تم نقلهُ.
ويلفتُ التقرير إلى أنه بشكل مفاجئ، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه للحصول على اتفاق أفضل، سيتم فرضُ حصارٍ بحري على مضيق هرمز. هنا، وفق “واشنطن بوست”، تكهّن بعض المعلقين بأنه مع فشل التوصل إلى اتفاق في إسلام آباد، قد تنزلق الولايات المتحدة إلى حرب “أبدية” أخرى، وأن المحادثات ربما كانت مقدمة لمرحلة جديدة وأكثر خطورة من الصراع.
ويقول كاتب التقرير إن “المأزق في إسلام أباد لن يعني بالضرورة عودة الحرب”، مُعتبراً أنَّ “الحصار هو تكتيك ضغط، بلا شك، لكنه ليس تكتيكاً عسكرياً في المقام الأول”، وأضاف: “لا يرغب ترامب في مزيد من الصراع المسلح، كما يدرك أن المكاسب محدودة وأن المخاطر القصوى، كما يُحبّذ المتداولون الماليون تسميتها، كبيرة. والآن، فإن هدف ترامب بدلاً من ذلك هو وضع إيران المنهكة اقتصادياً تحت ضغط شديد لمعرفة ما إذا كان قادتها سيختارون مساراً مختلفاً في صفقة شاملة وكبيرة”.
واستكمل: “على الرغم من المواجهة التي جرت في إسلام أباد نهاية الأسبوع الماضي، يتوقع الجانب الأميركي أنه من المرجح أن تستمر الاتصالات عبر وسطاء باكستانيين، فيما لا تزال وجهة ترامب هي الخروج من الأزمة”.
التقرير يتابع قائلاً: “هناك نصيحة نُسبت غالباً إلى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور ومفادها أنه إذا لم تستطع حل مشكلة، فقم بتوسيعها، وما يبدو هي أن هذه النصيحة تمثل استراتيجية ترامب. وحالياً، ومع صمود النظام
الإيراني بعد أسابيع من القصف المكثف، واحتفاظه بأوراق رابحة تتمثل في ما تبقى من برنامجه النووي وقدرته على تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، قرر ترامب اقتراح حزمة ضخمة ومبهرة من المنافع الاقتصادية، بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية، مقابل التخلي الكامل عن البرامج النووية والصاروخية الإيرانية ودعم الوكلاء”.
ويشير التقرير إلى أنَّ “محادثات إسلام أباد انطلقت ببدايةً متوترة كما كان متوقعاً، حيث وضع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بصمتهما، وفقاً لمصادر مطلعة”، وتابع: “لكن بعد ساعات طويلة من النقاش، أبهر قاليباف الفريق الأميركي ببراعته في التفاوض واحترافيته، وبإمكاناته القيادية لإيران جديدة، ويعتقد المسؤولون أن مسؤولين آخرين من الحرس الثوري الإيراني يفتحون قنواتهم الخاصة رغبةً منهم في أن يكونوا جزءاً من المستقبل”.
وهنا، يُكمل كاتب التقرير: “قد يكون هذا كله مجرد أمنيات من النوع الذي كان المسؤولون الأميركيون يروجون له سابقاً بشأن العراق أو أفغانستان. يحاول قاليباف منذ عقدين من الزمن تقديم نفسه كبديل براغماتي، يشارك في منتدى دافوس، للملالي. لقد كتبتُ عنه لأول مرة عام 2006، عندما كان عمدة طهران، ووصفته بالشخص الذي يمشي على حبل مشدود، وكان يطمح إلى إصلاح الحفر وجمع القمامة، وربما النجاة من المواجهة الكارثية مع الغرب التي كان خصومه يخشونها. الآن، وبعد مرور عشرين عاماً، حان الوقت لقاليباف، الذي كان يطمح للتغيير، أن يثبت جدارته أو يصمت”.
وبحسب التقرير، يعتقد المسؤولون الأميركيون أن إيران اليوم تعاني من وضعٍ متردٍّ، رغم كل مظاهر التظاهر بالقوة، فهي تشهد ما يشبه الإغلاق العسكري الذي فرضه وباء كوفيد-19، مع شحّ النشاط الاقتصادي في البلاد بعد أربعين يوماً من الحرب.
ويقول التقرير إن “ترامب يخطط الآن لتضييق الخناق على الاقتصاد بشكلٍ أكبر، كما يفعل مقاتل الفنون القتالية المختلطة الذي يطبق خنقاً على خصمه، منتظراً استسلامه”، وتابع: “يمكن القول إن ترامب كان ينتظر هذا الاستسلام منذ أن بدأ الحرب في 28 شباط، ويُنظر إلى تفاؤله المفرط على نطاق واسع من قبل النقاد على أنه أكبر أخطائه”.
واستكمل التقرير: “يُعدّ تشبيه الاستسلام هذا هو المبرر للحصار، ويمكن اختصار هذه الاستراتيجية بعملية الغضب الاقتصادي الملحمي. أيضاً، يُقال إن ترامب أدرك أن هجوماً برياً أو أي تصعيد عسكري آخر قد يُدخل الولايات المتحدة في مستنقع. كذلك، أدرك البيت الأبيض، كما حذر النقاد، أن الحروب في الشرق الأوسط سهلة البدء لكن يصعب إيقافها”.
3 سيناريوهات مُحتملة
وبحسب التقرير، يرى مسؤولو إدارة ترامب ثلاثة سيناريوهات محتملة مع تشديد الولايات المتحدة قبضتها الاقتصادية: أولاً، إمكانية الإطاحة بالنظام، وهو احتمال يرونه أقرب إلى الحدوث بعد توقف القصف؛ ثانياً، قد يقرر قاليباف أو أي زعيم جديد عبور ما وصفه فريق ترامب بـ”الجسر الذهبي” نحو مستقبل جديد؛ ثالثاً، قد يحاول المتشددون في الحرس الثوري الإيراني كسر الحصار أو شنّ ضربات أخرى لإجبار الولايات المتحدة على تقديم المزيد من التنازلات.
وتتابع الصحيفة قائلة: “إذا حاولت إيران، التي ما زالت تتمتع بالجرأة، استغلال ما تعتبره نقاط قوتها، عبر هجمات عسكرية أو إرهابية، فقد يُجبر ترامب على الدخول في مواجهة عسكرية متصاعدة يأمل في تجنبها. هذا هو خطر الاستراتيجية التي اعتمدها فريق ترامب في إسلام أباد – فقد أظهر مدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات للتوصل إلى اتفاق سلام، لكن ترامب لا يتفاوض على مراحل، ويعتقد أن الصفقات الصغيرة تُنتج نتائج صغيرة”.
وأضافت: “هذا هو المنطق هنا، توسيع نطاق المكاسب، حتى مع تشديد الضغط الاقتصادي على طهران لقبول الشروط الأميركية. أما الهدف فهو إقناع قاليباف ورفاقه بالتحول من كونهم قضية ثورية تُهدد المنطقة إلى دولة حقيقية قادرة على التحديث السريع والمربح، على غرار جارتيها السعودية والإمارات العربية المتحدة عبر الخليج”.
وأكمل: “هذا المسار – من قضية إلى دولة – هو ما كان وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر يصف به ما هو مطلوب لتحقيق الاستقرار في إيران والشرق الأوسط. عبر التاريخ، أعقبت مثل هذه اللحظات من إعادة التشكيل حروباً، كما كتب كيسنجر في كتابه الأول (عالم مُستعاد). لقد أوضح الوزير البارز والراحل كيف أن مؤتمر فيينا، في عام 1815، عقب الحروب النابليونية، نجح في التوفيق بين القوى الثورية الصاعدة في أوروبا وقوى الوضع الراهن”.
وهنا، سأل التقرير: “هل العالم على أعتاب إحدى تلك اللحظات الحاسمة التي تخيلها كيسنجر؟ عند الحديث عن الشرق الأوسط، من الحكمة عادةً عدم التفاؤل بمثل هذه النتائج. على مدى 47 عاماً، اتخذ القادة الإيرانيون قرارات خاطئة، غالباً ما تحذو حذوهم الولايات المتحدة وإسرائيل”.
وتابع: “مع ذلك، فإنَّ صور نهاية هذا الأسبوع من إسلام أباد – لنائب الرئيس الأميركي ورئيس البرلمان الإيراني يتحدثان طوال الليل عن شكل اتفاق محتمل – حملت في طياتها مزيجاً من الاستحالة والحتمية”.
