كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon
دخلت المنطقة العربية والملاحة الدولية في أخطر اختبار جيو-سياسي لها منذ عقود، مع إعلان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) البدء الفعلي لفرض حصار بحري شامل يستهدف الموانئ الإيرانية. هذا التطور الدراماتيكي الذي نقل المواجهة من حيز العقوبات الاقتصادية “الورقية” إلى حيز التنفيذ العسكري الميداني، يهدف بشكل أساسي إلى تجفيف ما تبقى من شريان مالي لطهران، عبر تحويل كامل الساحل الإيراني في الخليج العربي وخليج عمان إلى منطقة معزولة وتحت المراقبة اللصيقة للقطع البحرية الأميركية.
اقرأ أيضاً “خنق” هرمز بدأ.. هل يشتعل لبنان؟
كواليس “المناورة القانونية” وفصل مسارات الملاحة
وتشير مصادر دبلوماسية JNews Lebanon إلى أن واشنطن اعتمدت استراتيجية “فصل المسارات” في مضيق هرمز لتجنب صدام قانوني مباشر مع القوى الدولية الكبرى مثل الصين والهند. فبينما يُسمح للسفن غير المتجهة إلى إيران بالمرور، تُخضع واشنطن حركة الشحن المرتبطة بطهران لنظام تتبع دقيق يعتمد على رصد المعاملات المالية ورسوم العبور.
هذه الخطوة، بحسب مصادرنا، تسقط أي شرعية عن الرسوم التي كان يتقاضاها الحرس الثوري الإيراني، وتجعل من أي سفينة تلتزم بالشروط الإيرانية هدفاً قانونياً للاحتجاز أو المنع من قبل القوات الأميركية في أعالي البحار.
قواعد اشتباك جديدة بلسان ترامب
ولم يتوقف التصعيد عند حدود المنع، بل امتد ليشمل تغييرات جذرية في قواعد الاشتباك الميدانية، حيث أعطى الرئيس دونالد ترامب أوامر صريحة بتدمير حقول الألغام التي زرعتها إيران، مع توعده بالقضاء الفوري على أي عناصر تحاول استهداف السفن المدنية أو العسكرية.
هذا “التهديد المباشر” يُنهي زمن المناوشات البحرية المحدودة ويفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة، خاصة وأن ترامب برر قراره بمواجهة ما أسماه “الابتزاز العالمي”، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لن تسمح بعد اليوم باستخدام ورقة الممرات المائية للضغط على أسعار الطاقة الدولية أو تحقيق مكاسب سياسية.
لبنان في عين العاصفة النفطية والجيو-سياسية
وعلى المقلب اللبناني، يرى مراقبون عبر JNews Lebanon أن تداعيات هذا الحصار لن تتوقف عند حدود الخليج، بل ستصل أصداؤها سريعاً إلى بيروت. فمن الناحية الاقتصادية، يُتوقع أن تشهد أسعار التأمين البحري وكلفة الشحن ارتفاعاً ملحوظاً، مما ينعكس بشكل مباشر على أسعار الوقود والسلع في السوق اللبناني المنهك أساساً. أما من الناحية السياسية، فإن خنق إيران بحرياً قد يدفعها إلى تفعيل “أوراق القوة” في الساحات الحليفة لتخفيف الضغط عنها، مما يضع لبنان في وضع دقيق بين الالتزام بالحياد وبين الانعكاسات الحتمية لأي مواجهة عسكرية كبرى قد تنزلق إليها المنطقة في الساعات المقبلة.
اقرأ أيضاً “مَسودةُ الجَحيم”.. هَل يُفخخُ نِتنياهو هدنةَ الثلاثاء بِشروطٍ تَعجيزية؟
في المحصلة، لا يبدو أن الحصار البحري الأميركي هو مجرد إجراء تقني لضبط الملاحة، بل هو بمثابة “جراحة قيصرية” لموازين القوى في المنطقة. فبينما تسعى واشنطن من خلال هذه الخطوة إلى تجريد طهران من أهم أوراق قوتها الجيوسياسية المتمثلة في التحكم بالممرات المائية، يبقى السؤال معلقاً حول حدود قدرة إيران على الصمت ومستوى رد فعل حلفائها. فإما أن يؤدي هذا الحصار إلى “استسلام دبلوماسي” تحت وطأة العزلة، أو أننا أمام “ساعة صفر” حقيقية قد تُشعل جبهات مترابطة تمتد من مضيق هرمز وصولاً إلى شواطئ المتوسط، ما يضع لبنان والمنطقة في قلب عاصفة إقليمية كبرى لا ترحم.
