في كتابه الصادر حديثاً، بعنوان “لظى”، يروي النائب علي حسن خليل أحداثا استثنائيّة شهدها لبنان بين عامَي 2023 و2025. من دفاتره الصغيرة التي يدوّن عليها يوميّاته، بتفاصيلها، خرج كتابٌ عن حربٍ لم تنته بعد.
من الكتاب، الذي حوّله خليل الى كاشفٍ مبكرٍ للأسرار، اخترنا مقاطع يعود فيها الى يوم اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيّد حسن نصرالله.
“عند الساعة السادسة وعشرين دقيقة مساءً، وصلت الى عين التينة. وأنا أسير في البهو الداخلي، دوّى انفجارٌ غير مسبوق. غارة هائلة من حيث الصوت والارتجاج. تردّد صداها واستمرّ لثوانٍ، ما جعل أبواب الديوان تهتزّ بعنف. ساد الارتباك والذهول، والرئيس تسمّر لمعرفة ما الذي حصل.
(…) لم يطل الوقت حتى بدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدّث بصراحة عن استهداف السيّد حسن نصرالله. مجرّد ذكر الإسم، مقروناً بضخامة المشهد أضفى جديّة على الخبر. وقد علّمتنا التجارب السابقة أنّ ما يبادر الإسرائيلي الى إعلانه غالباً ما يتطابق مع الواقع المؤلم. ارتفع منسوب التوتّر وبدأت الاتصالات تتسارع. حاولت الوصول الى الحاج حسن الخليل، لكنّه كان خارج التغطية. تواصلت مع المسؤول عن حراسته، فأكد سلامته لكنّه كان شديد الارتباك، ولم يكن لديه معلومات مؤكدة عمّا حصل.
تضاربت الأخبار، لكنّها تقاطعت في مسألة أنّ السيّد نصرالله كان موجوداً في المكان، ولكن قد يكون نجا من العمليّة، وهذا ما أوردته بعض وسائل الإعلام الإسرائيليّة.
كانت اللحظات ثقيلة. الرئيس غارقّ في صمتٍ عميق، يختصر بغصّةٍ ما لا يمكن قوله بالكلمات. جلست مع أحمد بعلبكي، بعد صعود الرئيس الى المنزل في عين التينة، نترقّب ونبحث عن أيّ خيطٍ بين الإعلام، ومن يمكن أن يعرف شيئاً. تواصلت مع النائب حسن فصل الله، فأكد أنّه لا تواصل على الإطلاق مع السيّد نصرالله، أو مع أيّ من أعضاء الشورى. كلّ المعطيات أشارت الى أنّ المكان المستهدف لم يكن مجرّد أبنية عاديّة، بل كان منشأة عسكريّة عميقة تحت الأرض، مجهّزة كمركز قيادة وعمليات. ومع تكرار الروايات، أصبح من شبه المؤكد أنّ السيّد نصرالله كان موجوداً بالفعل هناك، بصحبة عددٍ من القيادات.
(…)
مع إعادة التواصل مع قيادات ونواب في حزب الله، تبلورت الصورة القاتمة. السيّد نصرالله هو المستهدف، ومعه الحاج علي كركي (أبو الفضل)، الذي نجا من محاولة اغتيال قبل أيّام، وقائد الحرس الثوري الإيراني في لبنان. وحسب تقديرات الموجودين في الموقع، فإنّ احتمالات النجاة كانت قليلة للغاية. عند منتصف الليل تقريباً، أبلغت الرئيس بري بالمعطيات الجديدة. كان صوته متهدّجاً ومثقلاً بالجراح. قال: “إنّها من أصعب اللحظات عليّ، لا أستطيع البكاء، ولا إنزال الدمع، أشعر بجرحٍ عميق، أعرف أنني لن أنام هذه الليلة، ماذا سنفعل؟ كيف سنستوعب الأمر ونواجه المرحلة المقبلة؟”. كان يتحدّث كما لو أنّه يناجي نفسه. حاولت التخفيف عنه ببضع كلمات، لكن وطأة اللحظة كانت أكبر من أيّ عزاء. أبقيت فسحةً قليلة من الأمل. ربما طبيعة المنشأة تسمح بالنجاة. كلمات قلتها من دون ثقة، لكنّه كان خيط الأمل الذي أردت إبقاءه.
(…)
ومع بزوغ السبت 28\9\2024، كانت العيون مصوّبة على احتمال ورود خبر على الشاشات، يعيد الروح بعد الشعور بالخسارة. لكنّ الإعلام الإسرائيلي أعلن عند الحادية عشرة قبل الظهر، رسميّاً، اغتيال السيّد حسن نصرالله، ومعه الحاج علي كركي وآخرين. بعدها بقليل، ورد اتصال من وفيق صفا الى أحمد بعلبكي، جاء فيه: “الشباب العاملون في الموقع المستهدف وصلوا الى جثمان السيد، وقد أخرج سليم الجسد من دون أيّ تشوّهات”. كنّا عند الرئيس بري، فوضع رأسه بين يديه، وذرفت عيناه دموعاً صامتة. قال بصوتٍ متهدّج: “حسبنا الله ولا إله إلا الله… ماذا سيحصل؟”. تركناه للحظات مع نفسه، يودّع في داخله أخاً ورفيقاً لدرب، وتجربةً استمرّت على مدى أكثر من عقودٍ ثلاثة”.
