في قلب المعركة الدائرة في الخليج، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري استراتيجي، بل تحوّل إلى ورقة ضغط بيد طهران، مدعومة بشبكة جزر عسكرية تمنحها قدرة شبه كاملة على التحكم بحركة النفط العالمية، في مشهد يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من الصراع المفتوح.
وبحسب تقرير للصحافيين جيمس تي. أريدي، روكي رويز وماكس راست في “وول ستريت جورنال”، فإن الجزر الإيرانية المنتشرة داخل المضيق وحوله تشكل الركيزة الأساسية لهيمنة طهران على هذا الشريان الحيوي، بحيث إن إعادة فتحه قد تتطلب عملية عسكرية للسيطرة على هذه النقاط الجغرافية الحساسة نفسها.
تكتسب جزر مثل خارك وقشم وأبو موسى أهمية متزايدة، مع تسبب إيران بأزمة اقتصادية عبر عرقلة مرور ناقلات النفط، علماً أن المضيق كان ينقل نحو 20% من النفط العالمي قبل اندلاع الحرب، قبل أن تتراجع الحركة فيه بشكل حاد منذ بدء الضربات الأميركية-الإسرائيلية في 28 شباط.
ويشير التقرير إلى أن الملاحة في المضيق تخضع لمسارات محددة تمر بين جزر تسيطر عليها إيران، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً للتحكم بالحركة البحرية، وهو ما عززته طهران عبر تحويل 19 جزيرة إلى ما يشبه “حاملات طائرات”، مزودة بأنظمة رادار ومدارج طائرات ومستودعات وقود ومنصات صواريخ وقواعد بحرية.
في هذا السياق، تبرز جزيرة خارك كأهم موقع استراتيجي لإيران، رغم وقوعها على مسافة بعيدة نسبياً من المضيق، إذ يتم عبرها تحميل 90% من صادرات النفط الإيراني، ما يجعلها القلب النابض للاقتصاد الإيراني. ورغم تعرضها لضربات أميركية استهدفت منشآتها العسكرية، إلا أن منشآت النفط بقيت تعمل، واستمرت عمليات الشحن في الأيام التالية.
ورغم حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكانية السيطرة على الجزيرة كورقة ضغط، إلا أن التقرير يشير إلى صعوبة ذلك، نظراً لحجمها وموقعها داخل العمق الإيراني، إضافة إلى عدم وجود ضمانة بأن السيطرة عليها ستدفع طهران إلى التراجع.
أما جزيرة قشم، الأكبر في المضيق، فتُعد مركزاً محورياً للسيطرة الإيرانية، إذ تضم قاعدة بحرية ومنظومات صاروخية داخل أنفاق تحت الأرض، إلى جانب منشآت حيوية مثل محطة لتحلية المياه. كما أن الجزر الصغيرة المحيطة بها مزودة ببنى عسكرية إضافية.
وفي المقابل، تشكل جزيرة لارك نقطة أساسية في مراقبة حركة السفن، حيث تضم نظاماً روسياً للتشويش على الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب وجود قوات بحرية إيرانية وزوارق سريعة مزودة بصواريخ مضادة للسفن. ويصفها التقرير بأنها “العمود الفقري العملياتي” للسيطرة الإيرانية على المضيق.
ومع تصاعد النفوذ الإيراني، تغيّرت مسارات السفن داخل المضيق، إذ باتت تمر عبر ممرات أقرب إلى الساحل الإيراني وبين جزيرتي لارك وقشم، بعد أن كانت سابقاً تلتزم بالجهة الجنوبية قرب سواحل عمان. وتشير المعطيات إلى أن معظم السفن التي غادرت المضيق منذ بداية الحرب كانت مرتبطة بإيران.
ويكشف التقرير أيضاً عن نظام رقابي جديد تفرضه طهران، حيث يُطلب من مشغلي السفن التواصل مع الحرس الثوري عبر وسطاء وتقديم مستندات للحصول على إذن عبور، فيما دفعت بعض السفن مبالغ وصلت إلى 2 مليون يوان صيني للسماح لها بالمرور.
أما جزيرة أبو موسى، فتُعد نقطة مفصلية في تثبيت السيطرة الإيرانية على المضيق منذ 55 عاماً، حين نشر شاه إيران قواته فيها عام 1971، بالتزامن مع انسحاب بريطانيا من المنطقة، رغم استمرار الإمارات في المطالبة بها.
وفي السياق نفسه، تلعب جزيرتا طنب الكبرى والصغرى دور “عيون إيران” على الممرات البحرية، إذ تقعان بين قناتي الملاحة الضيقتين داخل المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة 21 ميلاً، فيما لا تزيد عرض القنوات المستخدمة فعلياً عن ميلين لكل اتجاه.
في المحصلة، تكشف هذه الجزر أن المعركة في هرمز لم تعد بحرية فقط، بل أصبحت معركة جغرافيا عسكرية معقّدة، حيث تتحول نقاط صغيرة على الخريطة إلى مفاتيح للتحكم بالاقتصاد العالمي، في مواجهة مفتوحة على احتمالات عسكرية خطيرة.
