نشر المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب “ict” دراسة بحثية جديدة تحدث فيه عن الحرب الحالية التي يخوضها “حزب الله” في لبنان، وذلك بدون أمينه العام السابق الشهيد السيد حسن نصرالله، والذي اغتالته إسرائيل في أيلول عام 2024.

 

التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24″ يقول إنه في خضم الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران ووكلائها، بقيادة حزب الله، اكتسب المشهد المألوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة والضربات العميقة بُعداً إضافياً يرتبط بمعركة الوعي، وأضاف: الحرب الحالية مع إيران وحزب الله لا تدور رحاها في الشمال وفي ساحات بعيدة فحسب، بل أيضاً على الشاشات، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي أحاديثنا اليومية”.

وتحدث التقرير عن نصرالله، فقال إنَّ الأخير “كان لسنوات طويلة أكثر بكثير من مجرد رئيس حزب، فقد كان كاتب السيناريو والراوي والمتحدث باسم محور المقاومة”، وأضاف: “في كل مرة كان يلقي فيها خطاباً، كان يحوّل خطابه المتلفز إلى حدث إقليمي: لبنان يتوقف، وإسرائيل تصغي، والعالم العربي يتابع، ووسائل الإعلام الدولية تسجل التاريخ في تقاويمها. في خطاباته، كان يعرف كيف يجذب عدة جماهير في آن واحد: مقاتليه، الذين تلقوا رسالة قوة وثبات؛ والجمهور اللبناني، الذي تلقى رواية تفسر سبب تبرير الثمن الباهظ؛ والإسرائيليين، الذين سمعوا تهديدات مباشرة ضد حيفا وتل أبيب ومنصات الغاز والمطارات والمجتمعات الشمالية؛ والعالم العربي والدولي، الذي رأى فيه رمزاً للمقاومة ضد إسرائيل والغرب”.

 

وأكمل: “على سبيل المثال، ففي جولات الصراع السابقة، خصص نصرالله أجزاءً كاملة من خطاباته لوصف ما سيحدث في اليوم الذي تقرر فيه المقاومة فتح جميع الجبهات: عدد الصواريخ، والمدن المستهدفة، وعمق القصف. هذه التفاصيل الدقيقة، حتى وإن كان بعضها من نسج الخيال، جعلت التهديد أكثر واقعية. لم يقتصر حديث نصرالله أيضاً على ضرب إسرائيل، بل تطرق إلى شلّ حركة الموانئ، وإغلاق المطارات، والإضرار بالسياحة، والتسبب في هجرة الكفاءات، وإبعاد الاستثمارات، حتى وإن لم يستخدم دائماً لغة اقتصادية صريحة”.

 

وتابع: “عندما كان نصر الله حاضراً في الساحة، أمكن تحديد العديد من أنماط التأثير المتكررة:

أ. الخطاب باعتباره حدثاً أمنياً، إذ كانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترفع مستوى التأهب حول بعض الخطابات: فتعزز قواتها في الشمال، وتراجع سيناريوهات التصعيد، بل وتعدل أحياناً الإجراءات المدنية (على سبيل المثال، إلغاء الفعاليات قرب الحدود، وتغيير توجيهات الجبهة الداخلية). بعبارة أخرى، أحدثت كلماته تحركات على أرض الواقع.

 

ب. الخطاب كحدث إعلامي، إذ بثت القنوات التلفزيونية والإذاعية كلماته، أحيانًا على الهواء مباشرة، وتلتها على الفور حلقات نقاش من المعلقين. كل جملة نطق بها خضعت للتحليل مراراً وتكراراً: هل هو تهديد جاد، أم أنه يُظهر ضعاً؟ وجد الجمهور الإسرائيلي نفسه يراقب العدو ليس فقط من خلال التقارير، بل مباشرة عبر شاشاتهم.

 

ج. الخطاب بوصفه “حدثاً عاطفياً، فقد رافقت بعض الخطابات قصصٌ عن المعارك، وإحياءٌ لذكرى “الشهداء” وغيرها من الأمور. في الوقت نفسه، رسخ الخطاب لدى الجانب الإسرائيلي صورة “خصم عنيد” لا ينكسر حتى تحت الضغط العسكري. كذلك، لا يقل أهميةً عن ذلك إدارة الوقت، فقد كان نصرالله يُكثر من استخدام عبارات مثل “سنرد، ولكن ليس الآن”. فتراتٌ امتدت لأسابيع كان يُلمّح فيها إلى أن “الرد سيأتي لاحقاً” خلقت في إسرائيل والمنطقة توتراً مستمراً تطلب استعداداً مكلفاً، واهتماماً سياسياً وجماهيرياً، وضجيجاً إعلامياً متواصلاً لم يسمح بـ”عودة حقيقية إلى الروتين”.

 

ويقول التقرير إن الحرب الحالية تقوم على نفس اللاعبين، من دون المتحدث الرئيسي، أي نصرالله، ويضيف: “تواجه إسرائيل الآن منظومة متكاملة: إيران، وحزب الله على الجبهة اللبنانية، ووكلاء آخرون في ساحات أخرى. القتال عسكري وتكنولوجي، علني وسري، لكن شيئاً واحداً قد تغيّر: الرجل الذي كان يمسك بزمام الأمور قد رحل. وبدلًا منه، نرى متحدثون جدد في حزب الله – أصوات أقل ألفة لدى الرأي العام الإسرائيلي والدولي، يلقون الخطابات ويطلقون التهديدات ويقدمون التفسيرات، لكنهم لم ينجحوا بعد في خلق نفس التأثير الإعلامي. يتم ترجمة خطاباتهم وتحليلها بشكل أقل تكراراً، وتخلق أياماً فكرية أقل مما كانت عليه في الماضي”.

 

واعتبر التقرير أن “غياب نصرالله غيّر من صوت محور المقاومة، إذ قلّت الأصوات القوية والمميزة، وكثرت الأصوات الصغيرة المتناثرة عبر الإنترنت”، وأضاف: “هذا يُضعف بعض التأثيرات الدرامية التي كانت لخطاباته، لكنه لا يُلغي المعركة على الوعي؛ بل على العكس، أصبحت أكثر لامركزية، ورقمية، ومراوغة. سواء كنا مدنيين، أو متخصصين أمنيين، أو صناع قرار، أو إعلاميين، أو قادة أعمال، فنحن جزء من ساحة المعركة هذه، شئنا أم أبينا. لا تزال الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات تتحدث بلغة القوة، لكن في الوقت نفسه، لا يزال المحور يهمس لنا بقصص عبر الشاشات”.

 

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version