كتب خضر فرحات في موقع Jnews Lebanon

في وقتٍ تتسابق فيه السيارات نحو “بوابة الأولي” هرباً من جحيم الغارات، وتكاد تخلو فيه الشوارع من المارة في قرى النسق الثاني بالجنوب، ثمة دخانٌ أبيض لا يزال يرتفع من مدخنةٍ واحدة في بلدةٍ حدودية، متحدياً مسيّرات “إسرائيل” التي لا تفارق السماء.

“الفرنُ” الذي صار غرفةَ عمليات!

خلف العجين والنار، يقف “أبو محمد” (اسم مستعار لحمايته)، وهو صاحب مخبز صغير رفض إقفال أبوابه رغم توسلات عائلته. يروي لـ JNews Lebanon بكلماتٍ مخنوقة: “إذا كلنا فلينا، مين بيبقى يطعمي اللي صمدوا؟ الخبز مش بس لقمة، الخبز هو اللي بيثبّت الناس بأرضها”.

اقرأ أيضاً عزلُ “الليطاني” بالحديدِ والنار.. جسورٌ مهدمةٌ وقرىً بانتظارِ “المجهول”!
مخبز أبو محمد تحول من مجرد “دكان” إلى ملجأ ونقطة التقاء لمن بقي من كبار السن والشباب المرابطين. هنا، لا تُباع ربطة الخبز بالثمن المعتاد، بل تُوزع “بالأمانة” لمن ضاقت به السبل، وفي أحيان كثيرة “مجاناً” على أرواح الشهداء.

“عجنٌ” تحتَ صوتِ الانفجارات

“أصعب لحظة هي لما يبلش القصف وبكون العجين بالفرن”، يقول أبو محمد. “ما فيني اترك الفرن شغال واهرب، بضلّ واقف عم راقب الرغيف وعيني على الشباك عم راقب الصواريخ”. يوثق موقعنا كيف تحولت مهنة الخبز من “رزق” إلى “فعل مقاومة” صامت، حيث يوزع هذا الخباز أكثر من ٥٠٠ ربطة يومياً على القرى المجاورة التي قُطعت أوصالها بتدمير الجسور.

رسالةُ “بقاء” لبيروت والعالم

قصة أبو محمد ليست مجرد قصة فردية، بل هي مرآة لكل لبناني اختار “الصمود المعيشي”. فبينما يتناحر السياسيون في بيروت على أوراق الاعتماد والحصانات، يكتب هذا الخباز بـ “طحينه” وعرقه أبسط معاني السيادة: “الأرض اللي بتطعمي ولادها، ما حدا بيكسرها”.

 

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version