كتب محمد علوش في ليبانون ديبايت:
في ربيع عام 1983، كان لبنان يُدار على إيقاع ميزان قوى اميركية إسرائيلية، فالدولة كانت موجودة، لكن على الورق، اما القرار الحقيقي فكان يُصاغ بين السفارات، تماما كما هو الحال اليوم.
في تلك اللحظة، جاء اتفاق 17 أيار كذروة محاولة أميركية لإعادة هندسة لبنان سياسياً وأمنياً، برعاية مباشرة من واشنطن، وبموافقة مضغوطة من عهد امين الجميل .
الاتفاق كان بمثابة اعلان عن إدخال لبنان في منظومة أمنية مرتبطة بالغرب، والحاقه بإسرائيل، لكن ما لم يُحسب جيداً يومها، أن القوى التي كانت تتشكل على الأرض، وخصوصاً في البيئة الشيعية، لم تكن مستعدة للمرور تحت هذا السقف، فواجهت واسقطت الاتفاق لاحقا.
هنا تحديداً بدأ يتقاطع المسار الأميركي مع الصعود الإيراني الداعم للمقاومة. بعد الثورة الاسلامية كانت طهران ترى في لبنان نقطة تماس متقدمة مع العدو، ومع وصول كوادرها إلى البقاع، بدأ يتبلور واقع جديد يؤسس لمرحلة ستفضي لاحقاً إلى نشوء حزب الله.
في هذا المناخ، جاء الضغط الأميركي على بيروت، فالمطلوب لم يكن فقط تثبيت اتفاق 17 أيار، بل أيضاً تقليم أظافر أي نفوذ موازٍ، وعلى رأسه الحضور الإيراني. من هنا، دُفع باتجاه قرار طرد السفير الإيراني من بيروت، في خطوة أرادت منها واشنطن أن تقول إن لبنان دخل رسمياً في محور مختلف، تماما كما هو الحال اليوم.
لكن ما كُتب في القصر الجمهوري لم يكن قابلاً للتطبيق في الشارع، ففي الكواليس، بدأت الاعتراضات تتشكل سريعاً، وكان في طليعتها موقف نبيه بري، الذي كان يومها يمسك بمفاصل أساسية داخل البيئة الشيعية الصاعدة.
بالنسبة له، كان قرار طرد السفير محاولة لكسر توازن دقيق، وبحسب مصادر مطلعة على تلك المرحلة، تعامل بري مع القرار كأنه لم يكن ولم يخرج السفير الايراني من بيروت، والتاريخ يعيد نفسه في هذه المرحلة بعد صدور قرار مشابه يتعبر السفير الإيراني شخصا غير مرغوب به.
تشير المصادر عبر “ليبانون ديبايت” الى ان بري، بعد قرار وزارة الخارجية شعر بانزعاج شديد، وبادر إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع السفارة الإيرانية، في رسالة واضحة مفادها أن ما صدر عن السلطة لا يعكس بالضرورة ميزان القوى الفعلي. بالتوازي، تحرك بري على خط المرجعيات الدينية، عبر التواصل مع المجلس الشيعي، للدفع نحو موقف علني يرفض القرار ويضعه في سياق الضغوط الخارجية.
في تلك اللحظة عام 1983، كان هناك إدراك بأن تنفيذ القرار سيعني عملياً تفجيراً داخلياً، وربما مواجهة مفتوحة داخل البيئة الشيعية نفسها، بين خط تقليدي تمثله حركة امل، وخط صاعد مدعوم من إيران هو حزب الله. لذلك، جاء التحرك سريعاً لاحتواء الموقف.
المفارقة أن القرار اليوم لا يزال يتيما اذ لم يجد من يتبناه بشكل رسمي على مستوى الرئاسة الاولى، اذ تكشف المصادر ان عون اكد لبري عدم علمه بالقرار قبل صدوره، وفي ذلك بحال كان صحيحا تعد صارخ على صلاحيات الرئاسة، ويعكس حجم الارتباك داخل بنية السلطة نفسها، معتبرة ان هذا الغياب للتنسيق بين المؤسسات دليل على أن القرار اتُخذ تحت ضغط خارجي أكثر مما هو نتاج توافق داخلي، وبهدف لتصعيد الخلاف الداخلي.
دخل بري بحسب المصادر على خط المعالجة المباشرة، مطالباً بالتراجع عن القرار واحتواء تداعياته، انطلاقاً من قناعة أن الاستمرار فيه سيؤدي إلى كسر داخلي يصعب ترميمه، والكرة الان في ملعب عون الذي اجتمع ببري قبل يوم من القرار.
بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو المشهد وكأنه يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة، تقول المصادر، مشيرة الى ان الضغوط الخارجية لا تزال حاضرة، ومحاولات إعادة رسم تموضع لبنان تتكرر، بظل قوى تدفع باتجاه ضرب الاستقرار الداخلي.
تكشف المصادر ان اتخاذ قرار كهذا في هذا التوقيت يهدف كما قرار حظر العمل العسكري للحزب، وقرار توقيف المقاومين ومحاسبتهم، كما تصعيد الاعتراض على النازحين في بعض المناطق الى استفزاز البيئة الشيعية بغية دفعها للانفجار، مشددة على ان المواجهة السياسية توسعت ولكن هناك حرص كبير على عدم نقل المواجهة الى الشارع، لأن هز الاستقرار لا يخدم سوى إسرائيل.
