كتبت جوانا فرحات في المركزية

هي آخر الحروب حيث سترسم خارطة وحدود جديدة في الشرق الأوسط. هي كذلك، لكن المخاض عسير في كل الدول التي دخلت الحرب على إيران بمبادرة دفاعية ذاتية أو قسراً وعلى وجه التحديد لبنان، والأكيد أنها ستدفع الثمن غاليا إلى أن تتبدد غيوم الميدان وتنقشع الصورة.

في لبنان الذي أدخله حزب الله في الحرب بـ6 صواريخ على تل أبيب، المشهد مختلف. فحركة الميدان تسبق حراك الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد على الجبهة الجنوبية. وإزاء تعثر هذه الجهود، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة تتسم بتوازن هش بين الانزلاق إلى حرب واسعة والبقاء ضمن إطار الاشتباكات المحدودة. وتشيرالتطورات الميدانية في الأيام الأخيرة إلى أن الوضع لم يعد مجرد توتر عابر، بل جزءًا من مشهد إقليمي معقّد يرتبط بحسابات أطراف أساسية.

على الأرض، تستمر العمليات العسكرية مع تسجيل تحولات في الأيام الأخيرة منها ارتفاع وتيرة الضربات ونوعيتها ما يعكس استعدادًا ميدانيًا لتوسيع المواجهة إذا لزم الأمر، مع رسم خطوط حمراء جديدة من قبل طرفي الحرب من دون إعلان رسمي عنها. لكن التحول الأبرز تمثل في تكثيف الحراك الديبلوماسي بهدف منع الانفجار الكبير فقط. إلا أن النتائج بقيت صفر.

لكن ما ليس خافيا أن الخشية من الإنتقال تدريجيا إلى مستوى أعلى من التصعيد يبقى قائماً وذلك عبر استهداف أعمق داخل الأراضي اللبنانية، واستخدام أسلحة أثقل أو أكثر تدميرًا وما ينتج عنه سقوط عدد أكبر من الضحايا والقتلى. وهذا السيناريو وإن يبقى تحت السيطرة نسبيًا، لكنه يرفع احتمال الانزلاق غير المقصود إلى حرب واسعة.

المحلل السياسي من واشنطن أنطوان عيسى يقول لـ”المركزية” إن كل أبواب الحراك الديبلوماسي موصدة اليوم والمشهد على أرض الواقع لا يتعدى إطار المحاولات لأن لا عودة إلى الوراء خطوة واحدة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. والحرب القائمة لن تتوقف إلا بعد إسقاط النظام في إيران والقضاء على حزب الله. ويلفت إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع حسم أمره من مسألة دخول القوات السورية على خط الميدان في الداخل اللبناني وهو لن يقدم على هذه الخطوة لأنه يدرك أنه بذلك سيقدم ذريعة لحزب الله بالقتال.

ومع تصاعد وتيرة الحرب على الجنوب والبدء بعملية ضرب الجسور التي كانت تشكل معبرا للحزب لنقل الأسلحة والذخائر والتوغل البري الذي وصل إلى عمق 6 كلم جنوب الليطاني يتزايد القلق من سيناريوهين ثقيلين: اجتياح بري أوسع قد يصل إلى الزهراني وربما إلى الأولي، أو تزايد الضغوط والتصدعات الداخلية التي قد تدفع لبنان إلى مسار أكثر خطورة يتمثل في اضطرابات داخلية قد تصل إلى حدّ الفوضى أو حتى مواجهة أهلية.

حتى الآن الإجابة عن احتمال اجتياح بري واسع ليست حاسمة، كونها ترتبط بحسابات دقيقة ومعقدة تتجاوز الساحة اللبنانية إلى الإقليم بأكمله. فالاجتياح البري ليس خيارًا بسيطًا، بل قرار استراتيجي عالي الكلفة. وبناءً على هذه المعطيات يقول عيسى، ليس هناك أي اجتياح اسرائيلي للجنوب اللبناني. والتوغل الحاصل يقع ضمن المنطقة الإقتصادية التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبالتالي عندما تنتهي إسرائيل من تنظيف الأرض من سلاح حزب الله لن يبقى جندي إسرائيلي على أرض الجنوب. إسرائيل لا تريد الأرض إنما السلام وضمان أمن وسلام المستوطنات في شمال إسرائيل وحتى في العمق الإسرائيلي.

ويضيف “أثبتت الوقائع الميدانية الأخيرة أن قيادة الحزب العسكرية والسياسية تتبع الحرس الثوري. من هنا فإن نهاية حزب الله ستكتب مع سقوط النظام الإيراني ومع توقف كل الإمدادات العسكرية والمالية لكن العملية ستستغرق وقتا وهناك أثمان ستدفع لكنها آخر الحروب”.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، إما تثبيت قواعد اشتباك طويلة الأمد، أو البقاء في دائرة الحرب الدائرة وفق الاستراتيجية المعتمدة، إلا أن الخشية تبقى في الإنزلاق نحو فوضى وحرب أهلية، والعوامل التي قد تدفع إلى الإنزلاق نحو الفوضى عديدة منها الانهيار الاقتصادي المستمر والضغط الاجتماعي الناتج عن النزوح من الجنوب والانقسام السياسي الحاد. بالتالي فإن أي احتكاك أمني داخلي يتخذ طابعًا طائفيًا. لكن هل هذه العوامل كافية لحرب أهلية؟
حتى الآن، الجواب: لا، وإن كانت هناك عوامل عديدة محفّزة والمستفيد الأكبر من أي حرب أهلية هو حزب الله . لكن يجب الأخذ في الإعتبار أن هناك فروقات أساسية بين الوضع الحالي وفترة الحرب الأهلية. فبالإضافة إلى عدم وجود ميليشيات متعددة في حالة اقتتال مباشرباستثناء ميليشيا حزب الله، إلا أن معظم القوى السياسية لا تريد الانزلاق إلى صراع داخلي. أضف إلى ذلك الضغوط الدولية للحفاظ على الإستقرار وهناك إدراك عام بأن أي حرب أهلية ستكون مدمّرة للجميع.

والسيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو عدم حصول اجتياح بري شامل مع استمرار المواجهات المحدودة على الحدود وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل لبنان، وهذا يعني “استنزافًا بطيئًا” قد يضعف الدولة والمجتمع تدريجيًا.

يبقى السيناريو الأكثر واقعية، في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، حيث يُخشى من تفلّت أمني موضعي واشتباكات محدودة ذات طابع محلي أو اجتماعي وتوسّع نفوذ قوى غير رسمية على حساب الدولة، وبدل الإنفجار الكبير قد نشهد تآكلًا تدريجيًا في الاستقرار من شأنه أن يقود إلى فوضى تدريجية يصعب احتواؤها.

وعليه فإن التحدي الأكبر لن يكون فقط على الجبهة الجنوبية، بل في قدرة الداخل اللبناني على الصمود من دون أن يتفكك تحت ضغط النزوح والانقسام. ووسط هذا المشهد، يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي معركة بحد ذاتها وقد تكون الأخطر في نهاية المطاف.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version