بقلم ليلى حجازي
الحرب التي تتصاعد اليوم في المنطقة لا يمكن قراءتها كحرب عسكرية تقليدية فقط، بل هي حرب متعددة الأبعاد تتداخل فيها المصالح الاقتصادية الكبرى مع الحسابات الجيوسياسية والصراعات الدينية وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم. ما نشهده اليوم يتجاوز حدود الاشتباك العسكري المباشر ليصبح جزءاً من صراع أوسع على النفوذ العالمي وعلى طرق الطاقة والتجارة التي تشكّل شريان الاقتصاد الدولي. هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي لحظة مفصلية قد تعيد رسم معادلات القوة في المنطقة وفي العالم، وهو ما يجعل خطورتها تتجاوز حدود الجغرافيا التي تدور فيها.
في قلب هذا الصراع يبرز البعد الاقتصادي كأحد أهم العوامل المحركة للتوتر. فالمواجهة غير المعلنة بين الولايات المتحدة والصين لم تعد تقتصر على التكنولوجيا أو التجارة أو الرسوم الجمركية، بل باتت تمتد إلى السيطرة على طرق الطاقة العالمية. الطاقة اليوم هي أحد أهم مفاتيح النفوذ في النظام الدولي، وأي دولة تملك القدرة على التأثير في طرق نقلها تستطيع التأثير في الاقتصاد العالمي بأكمله. من هنا يصبح الشرق الأوسط، بكل ما يملكه من احتياطيات طاقة وممرات بحرية استراتيجية، نقطة مركزية في هذا الصراع العالمي المتصاعد.
ويأتي مضيق هرمز في صلب هذه المعادلة. هذا المضيق الصغير جغرافياً يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط في العالم، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 20٪ من النفط العالمي يمر يومياً عبر هذا الممر البحري. ما يقارب 20 مليون برميل نفط يومياً تعبر من خلاله، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد العالمي على استقرار هذا الطريق البحري. أكثر من 84٪ من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل هذا المضيق أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي وليس مجرد ممر إقليمي.
الدول الخليجية تقف في قلب هذه المعادلة، إذ يعتمد اقتصادها بشكل كبير على استقرار هذا الشريان البحري. فصادرات النفط والغاز التي تشكل العمود الفقري لاقتصادات هذه الدول تمر في جزء كبير منها عبر مضيق هرمز. لكن المسألة لا تتوقف عند الطاقة فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والمائي أيضاً. تشير التقديرات إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تستورد ما بين 80٪ و90٪ من غذائها من الخارج بسبب محدودية الموارد الزراعية. كما تعتمد هذه الدول بشكل واسع على محطات تحلية المياه لتأمين المياه العذبة، وهي محطات تحتاج إلى طاقة وإلى استقرار في سلاسل الإمداد. وتشير الدراسات إلى أن نحو 70٪ من الإمدادات الغذائية التي تصل إلى دول الخليج تمر عبر طرق التجارة البحرية المرتبطة بمضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي والغذائي في المنطقة.
الأمر لا يقتصر على دول الخليج فقط، فاقتصادات آسيوية كبرى تعتمد بشكل كبير على الطاقة التي تمر عبر هذا المضيق. اليابان على سبيل المثال تستورد نحو 95٪ من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، ويعبر ما يقارب 70٪ من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز. أما الصين، التي تُعد اليوم أكبر مستورد للنفط في العالم، فهي أيضاً من أكثر الدول اعتماداً على الطاقة القادمة عبر هذا الممر البحري. تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 38٪ من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يتجه إلى الصين وحدها. لذلك فإن أي اضطراب في هذا الممر قد يخلق تأثيراً متسلسلاً يمتد من أسواق الطاقة إلى الصناعات العالمية وسلاسل التوريد الدولية.
ضمن هذه الصورة المعقدة، تحاول إسرائيل أن تستفيد من حالة التوتر الإقليمي وأن تدفع الولايات المتحدة نحو انخراط أعمق في المواجهة. فإسرائيل تنظر إلى التحولات الجارية في المنطقة كفرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية. من هذا المنظور لا تُقرأ التطورات الجارية فقط كحرب عسكرية محدودة، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة رسم التوازنات في المنطقة وإضعاف القوى التي تشكّل تحدياً لنفوذها سواء على المستوى الجيوسياسي أو على مستوى التحالفات الإقليمية.
إلى جانب البعد الاقتصادي والجيوسياسي لا يمكن إغفال البعد الديني الذي غالباً ما يتداخل مع الصراعات السياسية في الشرق الأوسط. فالمنطقة تاريخياً كانت مسرحاً لتداخل الهويات الدينية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية، ما يجعل النزاعات أكثر تعقيداً وأطول عمراً. هذا البعد الديني لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد أو السياسة بل غالباً ما يُستخدم كأداة تعبئة وكوسيلة لإعادة صياغة النفوذ في المنطقة.
ما يميز هذه المرحلة أن الحرب لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية كما كان يحدث في الحروب التقليدية. الاقتصاد أصبح عاملاً حاسماً في تحديد مسار الصراعات. العقوبات الاقتصادية، التحكم بأسواق الطاقة، السيطرة على طرق التجارة البحرية، والضغط على سلاسل الإمداد العالمية أصبحت أدوات استراتيجية لا تقل أهمية عن الجيوش والصواريخ. لذلك فإن مسار هذه المواجهة سيتحدد إلى حد كبير بقدرة القوى الكبرى على إدارة التوازنات الاقتصادية العالمية وليس فقط بقدرتها على تحقيق تفوق عسكري مباشر.
في هذا السياق تبدو المنطقة اليوم في حالة ترقب حذر. الولايات المتحدة تدرس حسابات الكلفة والمصلحة قبل الانخراط في أي تصعيد واسع قد يجر المنطقة إلى مواجهة إقليمية كبرى. الصين تراقب التطورات من زاوية تأثيرها على طرق الطاقة التي تعتمد عليها صناعاتها ونموها الاقتصادي. روسيا بدورها تنظر إلى هذه التحولات من زاوية تأثيرها على سوق الطاقة العالمية وعلى موازين القوى الدولية. أما إيران فهي لاعب أساسي في هذه المعادلة نظراً لموقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الملاحة في الخليج.
أما لبنان، فكالعادة يجد نفسه مرتبطاً بتوازنات إقليمية أكبر منه بكثير. تاريخ لبنان الحديث يثبت أنه غالباً ما يتحول إلى ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين. مصير لبنان في كثير من الأحيان لا يُحسم داخل حدوده فقط بل يتأثر بما يجري على طاولات المفاوضات الإقليمية والدولية. وفي ظل التوتر الحالي يبدو أن مستقبل لبنان مرتبط إلى حد كبير بمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وبما قد يُطرح على طاولة التفاوض بينهما من ترتيبات إقليمية جديدة.
في النهاية يمكن القول إن الحرب التي نشهد بوادرها اليوم قد لا تشبه الحروب التي عرفها العالم في الماضي. هي حرب تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد والطاقة مع السياسة والدين مع المصالح الاستراتيجية. لذلك فإن خطورتها لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية بل في قدرتها على إعادة رسم موازين القوى الدولية. العالم يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، وما سيحدث في الأشهر المقبلة قد يحدد شكل النظام الدولي لسنوات طويلة قادمة
