كتبت الين بركات في موقع Jnews Lebanon
في الوقت الذي يعوّل فيه الاقتصاد اللبناني المترنح على “أوكسجين” المغتربين للبقاء على قيد الحياة، دقت الأرقام الأخيرة الصادرة عن مصرف لبنان وبنك بيبلوس ناقوس الخطر. فخلف المليارات الأربعة التي تدفقت في الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، تختبئ حقيقة مقلقة: صافي التحويلات يسجل تراجعاً بنسبة تقارب الـ 10%، مما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول صمود “الأمان المالي” للعائلات اللبنانية.
اقرأ أيضا هل تحوّلت مبادرة عون إلى “مناورة الوقت الضائع” قبل الانفجار الكبير؟
أرقام صادمة: الانخفاض “الممنهج”
تظهر البيانات الرسمية أن تحويلات المغتربين الوافدة بلغت 4.87 مليار دولار حتى نهاية أيلول 2025، وهو ما يمثل تراجعاً بنسبة 5.3% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. ورغم أن الفصل الثالث شهد انتعاشة طفيفة بنسبة 6.5% (تزامناً مع موسم الصيف والزيارات)، إلا أن هذا الارتفاع لم ينجح في تعويض “النزيف” الذي حصل في الفصلين الأول والثاني، حيث سجلت التحويلات مستويات هي الأدنى منذ سنوات الأزمة الأولى في 2022.
المفارقة الخطيرة: “الدولار الخارج” يرتفع!
السر الذي قد لا ينتبه إليه الكثيرون في هذه الأرقام، هو الارتفاع المريب في التحويلات الخارجة من لبنان، والتي بلغت 1.42 مليار دولار (بارتفاع 5.7%). هذا الرقم يسجل أعلى مستوى له منذ عام 2021، وهو مؤشر اقتصادي خطير يوحي بأن “الرأسمال” أو العمالة الأجنبية أو حتى المدخرات بدأت تجد طريقاً للهروب من لبنان بوتيرة أسرع من السابق، مما أدى إلى انكماش “صافي التحويلات” إلى 3.45 مليار دولار فقط.
اقرأ أيضا هل أوقف اتصال “الرؤساء الثلاثة” ضربة كانت تستهدف مرفأ بيروت؟
لماذا يتراجع المغترب؟
يرى خبراء عبر JNews Lebanon أن هذا التراجع يعود لثلاثة أسباب رئيسية ترفض السلطة الاعتراف بها:
- فقدان الثقة بالاستقرار: تزايد المخاطر الأمنية والسياسية دفع المغتربين إلى تقليص تحويلاتهم واقتصارها على “المصاريف الأساسية” للعائلات، بدلاً من التحويلات الاستثمارية.
استنزاف القدرة: تأثر المغتربين اللبنانيين بالأزمات الاقتصادية العالمية، مما حدّ من قدرتهم على إرسال مبالغ إضافية.
تآكل الصافي: الارتفاع في الأموال الخارجة من لبنان يعكس حجم “الهروب المالي” المقنع، حيث يتم تحويل أرباح أو مدخرات إلى الخارج بحثاً عن الأمان، وهو ما يلتهم “الفائض” الذي كان يغذي ميزان المدفوعات.
إن تسجيل ثاني أدنى مستوى لصافي التحويلات منذ عام 2021 يعني ببساطة أن القدرة الشرائية للعائلات التي تعتمد على “دولار المغترب” باتت في خطر. وإذا استمر هذا المسار التنازلي مع ارتفاع التضخم المحلي، فإننا مقبلون على جفاف حاد في السيولة سيؤدي حتماً إلى شلل إضافي في الأسواق التجارية التي تقتات على هذه الأموال.
يبقى السؤال: هل ستتحرك الدولة لترميم الثقة وجذب هذه الأموال عبر قنوات شرعية ومستقرة، أم ستستمر في مشاهدة “الرئة الوحيدة” للاقتصاد وهي تضيق أنفاسها؟
