كتب طوني عيسى في الجمهورية:

يتردّد أنّ السفير الأميركي ميشال عيسى مستاء من طريقة تعاطي الدولة اللبنانية مع مساعيه. وفي الواقع، من حظ اللبنانيِّين أن يكون لهم سفير أميركي يتفهّمهم إلى هذا الحدّ، وله رصيده في واشنطن وداخل الإدارة، وسيكون خطأ كبيراً أن يوصلوه إلى الخيبة، لأنّهم في ذلك سيخسرون فرصة قد يصعب تكرارها.

تتخذ الدولة اللبنانية لنفسها موقف المتفرّج، فيما يبدو البلد أمام مخاطر حرب إسناد جديدة. فعلى رغم من بعض الأصوات «الهادئة» في داخل «حزب الله»، ثمة مخاوف من أن يؤدّي انفجار المواجهة الإقليمية إلى انزلاق قد لا يريده كثيرون لكنّه يفرض نفسه. وفي هذا الشأن يقول ديبلوماسي مطلع: «حرب الإسناد» الأولى التي اندلعت دعماً لـ«حماس»، انتهت بفرض إسرائيل اتفاقاً مختل التوازن تماماً لمصلحتها، هو اتفاق 27 تشرين الثاني 2024. وأمّا اليوم، فحرب الإسناد الثانية التي قد تندلع دعماً لنظام طهران، فمن المؤكّد أنّها ستنتهي بما هو أخطر من اتفاق تشرين. هي ستجبر الدولة اللبنانية على توقيع اتفاقات إذعان موجعة ولا يمكن الخروج منها في المدى المنظور، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

بالتأكيد، أي محاولة تورُّط صاروخية من لبنان في الهجوم الأميركي-الإسرائيلي المشترك على إيران، ستدفع الطرفَين المهاجمَين إلى الردّ بقسوة في لبنان. بل إنّ إسرائيل بدأت شن ضربات استباقية عنيفة على المنظومات الصاروخية التي ما زال «حزب الله» يمتلكها خارج منطقة جنوب الليطاني، أي في مناطق أخرى من محافظات الجنوب والنبطية والبقاع، وربما الجبل وبيروت لاحقاً. وإذا كانت الدولة اللبنانية نفسها تجهل أماكن وجود الصواريخ، فمن المحتمل جداً أن يكون الثنائي إسرائيل والولايات المتحدة يعرفان تماماً بها، ويترقب اللحظة المناسبة أو المبرّر لتدميرها. والدليل هو مسارعة إسرائيل إلى تسديد الضربات للكوادر المعنيّين بالصواريخ، على ما ادّعت. فهذه إشارة إلى أنّ الآتي أعظم.

وفي الواقع، إسرائيل بعملياتها لا تضرب «الحزب» فحسب، بل أيضاً فكرة قدرة الدولة اللبنانية على الوفاء بالتزاماتها، فيما هي تعطّل اجتماعات «الميكانيزم» أو تقلّص من تأثيرها، وتتعمّد تحويل القرار 1701 من وثيقة لحماية لبنان إلى أداة لمحاصرته. فقد جاءت الغارات على البقاع فيما كان الجيش اللبناني يعلن أنّه في صدد الاستعداد لتثبيت وجوده شمال الليطاني، ولو من دون تحديد مهل مسبقة. ولكن، تبيّن أنّ ما تعتقده الدولة اللبنانية ضمانات دولية أو أميركية غير كافٍ لإنقاذ لبنان من الضربات الإسرائيلية. وواقعياً، باتت إسرائيل تفرض سيطرة بالنار على مناطق المرحلة الثانية في شكل غير معلن، ما يجعل أي تحرُّك للجيش اللبناني محكوماً بـ«فيتو» إسرائيلي مبطّن. وهذا الواقع، إذا تطوّر، من شأنه أن يفرّغ مهمّة «الميكانيزم» من محتواها ويحوّلها إلى لجنة لتسجيل الضحايا لا لمنع الحرب.

و​في الموازاة، اقتصادياً وسياسياً، تبدو الدولة اللبنانية متّجهة إلى السقوط في فخ ارتهان سيُمليه الإسرائيليّون، وبدعم أميركي ربما. فكل غارة على البقاع تزيد من كلفة إعادة الإعمار المجمّدة، وتدفع بالمانحين الدوليّين إلى التراجع خطوة إلى الوراء، في انتظار «بيئة أمنية مستقرة» لن تأتي ما دام القرار اللبناني معلّقاً.

الخطأ اللبناني الأكبر هو تجاهل القوى المعنية، ولاسيما الدولة و«حزب الله»، ضرورة إبرام تفاهم داخلي واضح وصريح ولا يتحمّل المناورة، حول مسألة السلاح وقرار الحرب والسلم، أي سيادة الدولة على أرضها، وعدم السماح بتحويل لبنان إلى صاعق تفجير في المواجهة الأميركية-الإيرانية الوشيكة، لأنّ هذا الأمر سيُفقِد لبنان صفة «الدولة» في نظر المجتمع الدولي، ويحوّله إلى «منطقة عمليات» لا أكثر. وتبدو استعادة «الميكانيزم» لدورها، هي الضامن الوحيد حالياً لدور الدولة اللبنانية، برعاية دولية وعربية. ولذلك، يجب أن تكون الهدف الأول الذي يجب العمل على تحقيقه، لمواكبة الانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح.

ربما بقي مجال ضيّق من الوقت لتدارك الأسوأ، إذا امتلكت القوى المعنية في لبنان مقداراً كافياً من الحكمة والتجرّد والقدرة على تغليب المصلحة الوطنية. لكنّ المهلة اللازمة ربما انتهت فعلاً، وفات القطار، إذا وقعت المواجهة مع إيران فجأة، لأنّ البقاع والجنوب ومناطق لبنانية أخرى ستتحوّل صندوق بريد لنيران لن تنطفئ حتى تأكل الأخضر واليابس.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version