كتب نجم الهاشم في نداء الوطن

ليس من عادة “حزب الله” أن يعلن عن قبول استقالة مسؤول كبير فيه بحجم الحاج وفيق صفا مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق. وليس من عادة المسؤولين الكبار في “الحزب” أن يتقدّموا باستقالاتهم. هذه القضايا الخاصة بـ “الحزب” لم تكن تخرج إلى العلن وكانت تُحلّ بسرية داخل “الحزب” الذي يحتفظ بخصوصياته ولا يشارك بها من هم خارجه، لأن إطار عمله سرّي وتركيبته سرّية وقرارته داخلية. ولكن ما حصل مع الحاج وفيق كان خارجًا عن المألوف.

حتى حادثة إضاءة صخرة الروشة في 25 أيلول 2025، قبل يومين من الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الأمين العام السابق لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله، كان الحاج وفيق يتحرّك ويتصرّف على أساس أنه باقٍ باقٍ باقٍ، وأن دوره داخل الحزب يتسع ويتمدّد ويتصاعد، حتى ظهر وكأنه هو المحرّك الأول للآلية الحزبية وللقرار الحزبي على الأرض.

كان الرجل الأول والأبرز في الواجهة، وكان من اللافت للمراقبين كيف أنه يتحرّك علنًا مع مرافقين، ويحرّك الأرض والشوارع والمسيرات الدرّاجة في بيروت والضاحية من دون خوف من تعرّضه للاغتيال. ولذلك لم يكن من المنطقي أن يتقدّم باستقالته. وحتى لو أراد الخروج من المشهد أو من “الحزب”، لم يكن ليعلن ذلك، أو لم يكن ليحصل هذا الأمر علنًا. حتى أنه بعد تعميم خبر استقالته وقبولها، وبسبب تحركاته العلنية السابقة من دون خوف يأخذ بالاعتبار الهواجس الأمنية، ذهب بعض المراقبين والمتابعين إلى الربط بين هذا التطور داخل “الحزب” وبين اتهام صفا بأنه كان عميلًا لإسرائيل وتم إقصاؤه لهذا السبب، حتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك إلى التشكيك بالطريقة التي نجا بها صفا من محاولة اغتياله ليل 10 تشرين الأول 2024 نتيجة غارة إسرائيلية على بناية في البسطا الفوقا. وقيل يومها إن المستهدف كان صفا وأنه لم يقتل بل أصيب إصابات خطيرة، وأن نجاته كانت بسبب عدم انفجار أحد الصواريخ التي سقطت على المبنى، وأنه نقل إلى أحد المستشفيات، وأن عملية نقله أحيطت بسرية مطلقة. ولكن بعد ظهوره في المرة الأولى بعد ساعات على إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 في روضة الشهيدين في الغبيري، كان بصحة جيدة ولم تظهر عليه آثار الإصابات الأمر الذي رجّح أنه لم يكن في المبنى الذي تم استهدافه.

بين صفا وقاووق

محاولة اتهام صفا بالعمالة لم تكن الأولى. فقد سرت أخبار عن محاولة لصق هذه التهمة بالشيخ نبيل قاووق الذي اغتالته إسرائيل في غارة على بناية كان اختبأ فيها في منطقة الشياح، في 28 أيلول 2024 في اليوم التالي لاغتيال نصرالله وهو كان الرجل الثالث عمليًا في “الحزب”، نائب رئيس المجلس التنفيذي ومسؤول عن وحدة الأمن الوقائي، وقد أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لاحقًا، وبعد اغتيال الأمين العام الذي خلف نصرالله السيد هاشم صفي الدين، أنه اغتال الأمين العام وخليفته وخليفة خليفته في إشارة إلى قاووق. واتهام قاووق بالعمالة جاء بعدما لم يذكره الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم في إحدى كلماته التي أبّن فيها علماء الدين في قيادة “الحزب” الذين اغتالتهم إسرائيل. وقد أوضح لاحقًا أن عدم ذكر اسمه كان خطأ غير مقصود وأنه كان خصّص له كلمة تأبينية في وقت سابق.

بين صفا وغازي كنعان

في الإجمال تهمة العمالة لو كانت حقيقية ما كانت لتنتهي ببيان استقالة أو قبول هذه الاستقالة كالبيان الذي صدر عن وكالة “رويترز” في 6 شباط الحالي وورد فيه نقلًا عن مصادر مطلعة “أن جماعة حزب الله اللبنانية قبلت اليوم الجمعة استقالة المسؤول الأمني البارز فيها وفيق صفا، في سابقة هي الأولى من نوعها… وقال أحد المصادر إن الاستقالة وقبولها كانا جزءًا من “إعادة هيكلة داخلية” عقب الخسائر التي تكبّدها “حزب الله” في الحرب مع إسرائيل العام الماضي، مضيفًا أن القائد الجنوبي حسين عبد الله عُيِّن خلفًا لصفا”.

أشرف صفا، على المفاوضات التي أدت إلى اتفاق عام 2008 الذي تبادل فيه “حزب الله” رفات الجنود الإسرائيليين الذين أسروا في عام 2006 مقابل سجناء لبنانيين في إسرائيل. وقد ارتبط اسمه بملفات كثيرة داخلية على المستوى الأمني والسياسي مع الأحزاب والشخصيات التي تدور في فلك الحزب وحوله ومعه ومع الأجهزة الأمنية والقضائية في السلطات الرسمية، بحيث كان بمثابة قناة التواصل معها إلى الحد الذي جعل البعض يشبِّه هذا الدور الذي لعبه بالدور الذي كان يقوم به رئيس الإستخبارات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان أو العميد رستم غزالة من بعده. ولعلّ أبرز ما فاقم هذه الصورة كان زيارة صفا إلى قصر العدل ودخوله مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود، ومحاولة لقاء المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار. وعندما فشلت محاولته في تبليغه رسالة مباشرة أوصل إليه تهديدًا بقبعه من المهمة التي يقوم بها. صفا لم يكن يتحرك منفردًا بل كان ينفذ توجّهات حزبه خصوصًا أن أمينه العام السيد حسن نصرالله كان شنّ حملات متواصلة ضدّ المحقق العدلي وضدّ مسار التحقيق الذي اعتبره مسيَّسا يهدف إلى تحميل “حزب الله” مسؤولية استقدام أطنان نيترات الأمونيوم إلى العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت لاستخدامها وقودا للصواريخ، وفي نقلها إلى النظام السوري الذي كان يحشو بها براميله المتفجرة.

بين صفا وعماد مغنية

صحيح أن صفا كان يقوم بكل هذه الأدوار وكانت له سلطة وتأثير على الكثيرين من المتعاطين في الأمور السياسية والأمنية لتبليغهم الرسائل التي يريدها “الحزب” والتأثير في الملفات القضائية والأمنية، ولكنه لم يكن صاحب الدور الأمني الذي يحرِّك القضايا التي يحاول صفا الدخول على خطّها. بهذا المعنى لم يكن صفا مثلًا بين المقربين من دائرة القرار الأمني والعسكري الذين كانوا إلى جانب نصرالله في الحرب التي بدأت منذ 8 تشرين الأول 2023 بعد عملية طوفان الأقصى. صحيح أن علاقته مع نصرالله تعود إلى بدايات مرحلة الثمانينات ولكنه لم يكن كعماد مغنية مثلًا، أو كعلي كركي أو ابراهيم عقيل أو مصطفى بدر الدين، وغيرهم من قيادات العسكر والأمن الذين كانوا في الظل والذين نفذوا عمليات أمنية وعسكرية على الأرض وأدخلوا “الحزب” في متاهات الصراع مع إسرائيل وحققوا أحيانًا ضربات موجعة لها، بينما كان بإمكان صفا أن يتحرّك في العلن وأن لا يخاف من الاغتيال، وأن يخيف من كان يريد “الحزب” تخويفهم علنًا أو استيعابهم.

بين صفا والشيخ نعيم

غياب هؤلاء القادة في “الحزب” أعطى أهمية أكبر للدور الذي لعبه الحاج وفيق صفا خصوصًا أنه قبل اغتيال نصرالله، كان في الواجهة أكثر من الشيخ نعيم قاسم الذي تولى الأمانة العامة، وكان من الطبيعي أن يكون أعلى وأقوى من صفا. ولذلك لم يكن من المسموح أن يتعالى صفا عليه وعلى دوره كأي واحد من قادة “الحزب” الآخرين الذين يعتبرون أنفسهم مثلًا أنه يمكن أن يقبلوا بالعمل تحت راية السيد حسن نصرالله لأنهم كانوا من رفاقه القدامى والمقربين إليه وربما يعتبرون أنهم كانوا في المسؤوليات التي يوليهم إياها أهمّ على الأرض من الشيخ نعيم. قد يكون الحاج وفيق صفا تجاوز الخط المرسوم في العلاقة مع الأمين العام الجديد لـ “الحزب” وحاول من خلال حركته على الأرض أن يوسع دائرة نفوذه. ولكن في هذه المرحلة التي يعيد فيها “الحزب” بقيادة الشيخ نعيم قاسم ترميم نفسه وهيكليته ليس من المسموح أن تطغى على سلطته أي سلطة لأي قيادي آخر في “الحزب” لأن القرار يبقى مركزيًا ويتبع بالمحصلة إلى سلطة الولي الفقيه السيد علي خامنئي في إيران التي تفرز من بين قيادات فيلق القدس والحرس الثوري من يُشرِف مباشرة على عمل “الحزب” الأمني والعسكري والسياسي. ولذلك إذا كان هناك قرار بإبعاد صفا، أو بتحديد دوره أو بتعديله أو بإقالته، فلا يمكن أن يكون مصدره الشيخ نعيم قاسم وحده بل بمباركة القيادة العليا في إيران. الأمر البارز في هذه القضية هو إخراجها إلى العلن عبر بيان قبول الاستقالة التي لم يعلن سابقًا أن صفا قدّمها ولذلك ظهر وكأنه إقالة، أو “قبع”، خصوصًا أن صفا لاذ بعدها بالصمت. وإذا كان بعض مسؤولي “الحزب” تحدّثوا عن أن ما حصل مسألة عادية وتشكيلات داخلية حزبية، وأن صفا سينتقل إلى مهمة جديدة، أو سيتم ترشيحه لمقعد نيابي في إحدى الدوائر الجنوبية لإعطائه حصانة نيابية، فإن هذه المسألة تبقى في إطار التكهنات للتقليل من أهمية ما حصل.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version