استفاق أهالي بلدة ترتج منذ يومين على مشهدٍ صادم تمثّل بنفوقٍ جماعي لأكثر من 63 حيوانًا، من بينها حيوانات منزلية أليفة وكلاب حراسة تعود لمزارعين، إضافة إلى عددٍ من الحيوانات البرية. وبحسب المعطيات الأولية، تبيّن أنّ ما جرى لم يكن حادثًا عرضيًا، بل عملية تسميم متعمّدة عبر نشر طعوم سامة في أنحاء البلدة، في مشهد أعاد إلى الواجهة مسلسل “جرائم اللانيت” الذي يتكرّر من منطقة إلى أخرى، في ظلّ غياب أي رادع أو محاسبة.
وفي هذا السياق، أطلقت المدافعة عن حقوق الحيوان غنى نحفاوي صرخة مدوّية عبر “ليبانون ديبايت”، معتبرةً أنّ ما حدث في ترتج ليس حادثة معزولة، بل نتيجة مباشرة لإهمالٍ مزمن وغيابٍ تام للرقابة والمساءلة.
وأكدت نحفاوي أنّ “جرائم التسميم لم تتوقّف يومًا، ونحن نصرخ منذ سنوات من دون أي استجابة جدّية، لا من الجهات الرسمية ولا حتى من جمعيات بيئية يُفترض أن تكون في الصفّ الأول دفاعًا عن البيئة والحياة البرية”.
ولفتت إلى أنّ “مادة اللانيت المحظورة ما زالت تُباع على مرأى الجميع، وكأنها سلعة عادية، رغم وجود قرار صادر عام 2016 عن وزارتي الزراعة والصحة يمنع استخدام هذه المادة الخطرة”، متسائلةً: “كيف تدخل هذه المواد إلى الأسواق؟ وإذا كانت مهرّبة كما يُقال، فهل أيضًا محال بيع الأسمدة والسموم الزراعية تعمل خارج أي رقابة؟ وأين الأجهزة المعنية من ضبط هذه المواد التي تُستخدم في عمليات قتل جماعي للحيوانات؟”.
وأضافت أنّ المشكلة لا تقتصر على “اللانيت” فحسب، بل تشمل أيضًا سموم القوارض التي تُنثر عشوائيًا في الشوارع وعلى الأرصفة وداخل باحات الأبنية، خلافًا للقوانين التي تحصر استخدامها بشركات متخصّصة وبآليات محدّدة وآمنة. وتابعت بلهجة حادّة: “لا يوجد أي كنترول فعلي، لا على بيع السموم ولا على طريقة استخدامها، والسلطات تتفرّج وكأنّ الأمر لا يعنيها”.
وانتقدت ما وصفته بـ”التقصير القضائي الفاضح”، مشيرةً إلى أنّه “في معظم الحالات لا تُفتح تحقيقات جدّية، وغالبًا ما يُقال إن لا كاميرات مراقبة أو أنّ الفاعلين مجهولون، فيما لم نشهد يومًا مسارًا قضائيًا حاسمًا يردع المجرمين”. واستحضرت قضية تسميم الكلب “ليو” في غدير، حيث وُثّق الاعتداء بفيديو واضح، وقدّمت بشأنه شكوى رسمية، إلا أنّ الملف “لا يزال عالقًا في أدراج المحاكم من دون نتيجة حتى اليوم”.
ورأت أنّ ما يحدث لا يستهدف الحيوانات فقط، بل يطال البيئة والإنسان معًا، إذ إن بقاء السموم في التربة لما يقارب 14 يومًا يهدّد بتسرّبها إلى المياه الجوفية، ما يشكّل خطرًا مباشرًا على الصحة العامة. وقالت بمرارة: “نسأل لماذا ترتفع نسب السرطان في لبنان، فيما السموم تُرمى عشوائيًا وتُترك في الأرض والمياه، والدولة غائبة بالكامل”.
وختمت نحفاوي بتساؤلات غاضبة: “63 حيوانًا يموتون دفعة واحدة، فمن يحاسب؟ أين السلطات؟ أين الأجهزة الرقابية؟ إلى متى يبقى القاتل مجهولًا في كل مرة؟”.
حادثة ترتج أعادت فتح جرحٍ بيئي وإنساني عميق، وسط مطالبة الأهالي والناشطين بتحقيقٍ شفاف وسريع، وضبطٍ فعلي لبيع السموم ومنع استخدامها، قبل أن يتحوّل مشهد النفوق الجماعي إلى واقعٍ يومي يتكرّر بلا أي رادع، فيما تقف الدولة مجددًا عاجزة أو غير مبالية أمام جريمة موصوفة بحق البيئة والحياة.

