كتبت جويس الحويس في موقع JNews Lebanon
بعيداً عن العاطفة التي غلفت ساحة الشهداء في ذكرى 14 شباط، قرأ الخبراء في خطاب الرئيس سعد الحريري “انقلاباً هادئاً” في أسلوب إدارة المعركة السياسية.
الحريري لم يعد اليوم بصفة “الزعيم التقليدي” المستعجل للسلطة أو المنصب، بل عاد بصفة “الناخب الأكبر” الذي يملك وحده مفتاح الشرعية لأي استحقاق ديمقراطي مقبل في البلاد.
لعبة “تجميد” التوقعات
الذكاء في خطاب الحريري تمثّل في رفضه إعطاء “جواب نهائي” يريح به خصومه أو حلفاءه. فبينما كان الخصوم ينتظرون إعلاناً صريحاً بالعودة ليبدأوا هجومهم المضاد، فضّل الحريري إبقاء الجميع في منطقة “الانتظار القاتل”. هو لم يفتح الباب ليدخله فحسب، بل فتحه ليرى من سيتجرأ من القوى السياسية على محاولة إغلاقه بوجه هذا الزخم الشعبي المتجدد.
رسالة “الخناجر”: إنهاء زمن المجاملات والتسويات
اللافت في نبرة الحريري اليوم كانت “الواقعية القاسية”. استخدام مصطلح “الخناجر” ليس مجرد توصيف لغدر سياسي تعرض له، بل هو قرار استراتيجي بإنهاء زمن التسويات التي كانت تتم على حساب كرامة تياره وجمهوره.
الحريري اليوم يقوم بعملية “فرز” شاملة للساحة اللبنانية؛ فلن تكون هناك تحالفات “هجينة” في انتخابات 2026، ومن استثمر في “اليتم السياسي” للشارع السني خلال سنوات الغياب، لن يجد له مكاناً في مائدة العودة الحريرية.
عندما ربط الحريري خطوته المقبلة بموعد الانتخابات، هو لم يكن يهرب من الإجابة، بل كان ينصب فخاً للمنظومة: أنا جاهز والناس جاهزة، فهل تجرؤون أنتم على فتح صناديق الاقتراع؟
الانتخابات كـ “منصة إعدام” سياسي للبدائل
هذا الموقف يضع السلطة في زاوية ضيقة؛ فإجراء الانتخابات في موعدها يعني الاعتراف بعودة “التسونامي الأزرق” الذي سيكتسح الوجوه التي حاولت ملء الفراغ، وتأجيلها يعني اعترافاً صريحاً بالخوف من إرادة الناس التي تجلت اليوم في ساحة الشهداء. الحريري اليوم لا يحتاج لمنصب ليحكم، بل يحتاج فقط للإشارة بإصبعه نحو الصناديق ليغير موازين القوى بالكامل.
إذاً، خرج سعد الحريري من ذكرى 14 شباط بـ “شرعية متجددة” وبأقل كلفة سياسية ممكنة. الكرة الآن ليست في “بيت الوسط”، بل في ملاعب المقار السياسية الأخرى التي بدأت منذ اللحظة دراسة كيفية التعامل مع “الحريرية” التي عادت لتكون بيضة القبان الحقيقية في ميزان 2026.
