في أعقاب انهيار مبنى يوم أمس في مدينة طرابلس، المؤلّف من قسمين يضمّ كلّ منهما ستة طوابق، في محلّة باب التبّانة، عادت مخاوف الكارثة إلى الواجهة بقوّة، ولا سيّما أنّ هذه الحادثة تأتي بعد أقلّ من شهر على انهيار مبنى آخر أسفر عن استشهاد شخصين، وسط تحذيرات متكرّرة من عشرات الأبنية القديمة المتصدّعة والمهدّدة بالسقوط في أحياء فقيرة ومهمّشة.
صرخة من تحت سقف مهدَّد
في هذا السياق، تلقّى “ليبانون ديبايت” صرخة مؤلمة من المواطن عمر عطية، أحد سكّان مدينة طرابلس ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، يروي فيها واقعًا يوميًا يعيش فيه الخوف متجذّرًا في تفاصيل حياته.
يقول عطية إن المبنى الذي يقطنه في ساحة الدفتار، وهو مبنى قديم يعود عمره إلى أكثر من مئة عام، بات اليوم “مشقّقًا ومتعبًا”، ولا سيّما بعد الهزّات التي ضربت لبنان، مشيرًا إلى أنّه صمد خلال سنوات الحرب، لكنّه لم يعد قادرًا على تحمّل الإهمال المزمن والانهيار البطيء.
ويضيف أنّه يعيش في المبنى مع عائلته وأطفال صغار، تحت هاجس دائم من أن ينهار السقف فوق رؤوسهم في أي لحظة، ليلًا أو نهارًا، في ظل عجزه الجسدي والمادي عن الانتقال أو مواجهة مصير مجهول.
“الخوف الحقيقي أن نكون نائمين، فينهار المبنى علينا ونحن داخله”، يقول عطية، معتبرًا أنّ حياته وحياة أولاده باتت “رهينة الانتظار”.
إهمال مزمن ووعود لا تُنفَّذ
بحسب روايته، فإن المخاطر التي تهدّد المبنى ليست طارئة أو مستجدّة، إذ جرى في السابق توثيق أوضاع المنطقة وتصوير الأبنية المتصدّعة، وتلقّى وعودًا من جهات بلدية ورسمية بمعالجة الوضع، إلّا أنّ الجواب الدائم كان واحدًا: “لا إمكانات، لا أموال، ولا صندوق مخصّص”.
اليوم، ومع تغيّر الإدارات المحلية، يأمل عطية بأن يُعاد فتح هذا الملف بجدّية، داعيًا الإعلام والجهات المعنيّة إلى النزول ميدانيًا لرؤية الواقع كما هو. ويشدّد على أنّه لا يطلب “شهرة ولا مؤتمرات صحافية”، بل خطوة وقائية قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
ويرفض عطية الحلول الترقيعية التي طُرحت سابقًا، كالإخلاء المؤقّت إلى مراكز لا تراعي حاجاته الخاصة ولا كرامته الإنسانية، معتبرًا أنّ المطلوب معالجة جديّة تحمي سلامته وسلامة عائلته، من دون اقتلاعه من منزله وذاكرة العائلة.
“نحن لسنا أرقامًا، ولا نريد أن نُذكر فقط بعد الانهيار”، يقول بمرارة.
ويضيف بحرقة: “أفضل الموت تحت الردم، على أن يتم نقلي أنا وعائلتي إلى فندقية الميناء، التي لا تتّسع لأحد ولا توفّر أدنى مقوّمات العيش الكريم”.
كما طالب الدولة بالاهتمام بالمناطق الشعبية والفقيرة، معتبرًا أنّ سكّانها “منسيّون منذ سنوات طويلة”، ولا يُلتفت إليهم إلّا في مواسم الانتخابات. وأقسم أنّه لم يعد ينتخب أحدًا، “لا في البلدية ولا في الاختيارية ولا حتى في الانتخابات النيابية”.
قبل فوات الأوان
إن صرخة عمر عطية لا تعبّر عن حالة فردية، بل تختصر مأساة عشرات العائلات التي تعيش تحت تهديد دائم في مدينة تُترك أبنيتها القديمة لمصيرها.
من هنا، يُطرح السؤال بوضوح: إلى متى الانتظار؟ وإلى متى يُترك التحرّك رهن وقوع الضحايا؟
المطلوب اليوم تحرّك عاجل ومسؤول من الجهات الرسمية والبلدية، يشمل مسحًا هندسيًا فوريًا للأبنية المهدّدة، ووضع خطط حماية حقيقية تراعي كرامة السكان وسلامتهم، قبل أن تُضاف أسماء جديدة إلى لائحة الضحايا. فالتحذير لم يعد خفيًا… والكوارث لم تعد مفاجئة.
