عاد ملفّ انفجار مرفأ بيروت إلى واجهة المشهد القضائي، مدفوعًا بسلسلة تطورات نوعية توحي باقتراب لحظة الحسم بعد سنوات من التعقيد والتعطيل. والمستجد الأبرز تمثّل في تلقّي المحقق العدلي القاضي طارق البيطار أجوبة على استنابات قضائية كان قد وجّهها إلى الخارج، ما فتح الباب أمام تنسيق مباشر مع النيابة العامة التمييزية استعدادًا للمرحلة الأخيرة من التحقيق.
وفي هذا الإطار، عقد البيطار اجتماعًا مطوّلًا مع النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، خُصّص لبحث “آلية التعاون والتنسيق في الخطوات المقبلة”، تزامنًا مع قرار المحقق العدلي التوجّه نحو ختم التحقيق، وإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس، تمهيدًا لإصدار القرار الاتهامي، بحسب ما نقلت صحيفة “نداء الوطن”.
وبحسب مصادر قضائية نقلتها الصحيفة، فإنّ الاجتماع شكّل محطةً أساسيةً لمواكبة المرحلة الختامية من التحقيق، ولا سيما ما يتصل بإمكانية أن تُنجز النيابة العامة التمييزية دراستها للملف قبل إحالة القاضي الحجار إلى التقاعد في شهر نيسان المقبل. إلا أن هذه الخطوة تبقى، وفق المصادر، “مرتبطةً بصدور قرار الهيئة الاتهامية في الطعن المقدّم ضدّ القاضي البيطار بجرم انتحال صفة محقق عدلي واغتصاب السلطة”.
بالتوازي، برز تطور قضائي وُصف بالمفصلي، تمثّل في تسلّم البيطار، عبر النيابة العامة التمييزية، كتابًا رسميًا من السلطات الألمانية، جوابًا على استنابة سبق أن سطّرها، وهو ما كشفته صحيفة “الشرق الأوسط” نقلًا عن مصادر قضائية مطلعة. ووفق هذه المصادر، فإن الجواب “يتضمّن معلومات دقيقة عن حركة حسابات وتحويلات مصرفية لأشخاص يُشتبه بعلاقتهم بتمويل شحنة نيترات الأمونيوم”، ما حسم نقاطًا أساسيةً كانت عالقة في مسار التحقيق.
وأوضحت المصادر نفسها أن بعض الاستنابات الأخرى المرسلة إلى دول عربية وأوروبية لم يرد جوابها بعد، مشيرةً إلى أن البيطار “قد يصرف النظر عنها إذا لم تصل خلال مهلة ثلاثة أسابيع”، مع تفضيله الحصول على استنابة أوروبية إضافية نظرًا لأهميتها.
وأكدت المصادر أن المحقق العدلي قد استكمل “نحو 99 في المئة من المعلومات التي يحتاجها”، وأصبح بحوزته “كامل الوثائق والأدلة التي تحسم كيفية استيراد نيترات الأمونيوم، وآلية تمويل الشحنة، والجهات المسؤولة عن نقلها إلى لبنان وتخزينها في مرفأ بيروت، إضافةً إلى كيفية وقوع الانفجار وأسبابه”، وفق ما نقلته “الشرق الأوسط”.
وفي السياق نفسه، نقل موقع “هنا لبنان” عن مصدر قضائي أن البيطار يُرجّح أن يُعلن ختم التحقيق خلال فترة تتراوح ما بين شهر وخمسة أسابيع، على أن يُحال الملف بعدها إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس، تمهيدًا لإصدار القرار الاتهامي.
وأوضح المصدر أن ختم التحقيق “رهن عاملين أساسيين”: الأول صدور قرار الهيئة الاتهامية برئاسة القاضي إلياس عيد وعضوية القاضيَيْن ربين الحسامي وبيار فرنسيس، في الطعن المقدّم من النائبَيْن علي حسن خليل وغازي زعيتر، والمتعلق بإبطال قرار القاضي حبيب زرق الله الذي رفض الادعاء على البيطار، معتبرًا أنّ النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات “لا يملك صفة الادعاء بسبب تنحيه عن الملف”.
أما العامل الثاني، وفق المصدر نفسه، فيتصل بـ”ورود استنابة أوروبية إضافية لم يُكشف عن طبيعتها بعد”، لما تحمله من أهمية في استكمال الصورة القضائية.
وفي المرحلة الأخيرة، وقبل ختم التحقيق رسميًا، من المرتقب أن يستدعي القاضي البيطار الشخصيات القضائية والأمنية والسياسية التي سبق أن استجوبها، لإبلاغها بالإجراءات والقرارات التي سيتخذها بحق كلٍّ منهم، في خطوة تمهّد لإصدار القرار الاتهامي المنتظر، والذي سيحدّد المسؤوليات ويحدّد الاتهامات في أحد أكثر الملفات القضائية حساسية في تاريخ لبنان الحديث.
