كتب شادي هيلانة في موقع Jnews Lebanon

ليست زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة محطة عابرة ولا جولة علاقات عامة في زمن التهدئة الهشة، هي لحظة اختبار حقيقية لمعادلة دقيقة تحاول واشنطن إدارتها بين دعم مشروط وسقف صبر يتآكل، في ظل وقف إطلاق نار يتأرجح على حافة الانكسار.

هيكل، المتوجه بين تامبا وواشنطن، لم يحمل معه خرائط عسكرية وتقارير ميدانية فقط، بل حمل ملف سيادة مثقلة بالاستثناءات، وهدنة بلا ضمانات، ورسائل متراكمة عن حدود ما تبقى مقبولاً أميركياً تحت عنوان احتواء سلاح حزب الله.

على صعيد آخر، راكمت خلال الأسابيع الماضية، التحليلات السياسية منسوباً عالياً من التكهنات، وذهب كثيرون إلى حد الجزم بإقفال صفحة لجنة “الميكانيزم” وطيّ اتفاق 27 تشرين الثاني، تمهيداً لقواعد اشتباك جديدة تدار بمنطق الأمر الواقع، حيث تتراجع فكرة حصرية السلاح شمال الليطاني إلى الهامش. غير أن بيان السفارة الأميركية في بيروت، الصادر الجمعة الفائتة، أعاد خلط الأوراق، ليس فقط لأنه أكد استمرار آلية التنسيق العسكري، بل برسم برنامج عمل واضحاً للجنة خلال الأشهر الأربعة المقبلة في مقرّها في الناقورة.

اذاً، الرسالة الأميركية بدت محسوبة بدقة، لا إلغاء للآلية ولا إعادة إنتاجها بالشكل التي كانت في السابق، بل إدارة للتوتر بأدوات قائمة مع إبقاء العصا مرفوعة وسقف التوقعات منخفضاً، في مقاربة تبقي الجنوب تحت المجهر وتربط أي هامش حركة لبناني بمستوى الالتزام لا بالنوايا المعلنة.

بالتوازي، فتح إقرار مجلس الوزراء اللبناني لاتفاقية تسليم المحكومين السوريين نافذة جديدة على ملف شائك طال تأجيله، مع ترقب توقيعها هذا الأسبوع بين بيروت ودمشق، في خطوة يراد لها أن تؤسس لمرحلة مختلفة من التعاون القضائي إلا أن هذه الخطوة، بدل أن تمر بهدوء فجرت اعتراضات داخل السجون اللبنانية، حيث عبر عدد من السجناء اللبنانيين المحكومين في قضايا مماثلة عن غضبهم من استثنائهم، وصولاً إلى إعلان الإضراب عن الطعام ، في مشهد يعكس هشاشة المعالجات الانتقائية حين تُفصل السياسة عن العدالة.

أما الموازنة، فهي في لبنان ليست أرقاماً ولا جداول، بل مرآة صافية للصراع السياسي، جلسة 29 كانون الثاني 2026 لم تكن اختباراً لمشروع مالي بقدر ما كانت اختباراً لموقع رئيس الحكومة نواف سلام نفسه.

بالتالي، الرسائل التي خرجت من تلك الجلسة كانت مباشرة وقاسية، الرجل ليس محصناً، وهناك من أراد كسر اندفاعته أو دفعه إلى مربع الضبط السياسي، إن لم يكن إسقاطه بالكامل، في بلد اعتاد تحويل كل استحقاق دستوري إلى ساحة اشتباك مفتوحة.

هكذا يقف لبنان اليوم عند تقاطع ضاغط، جنوب مراقب وعدالة متعثرة، وموازنة تستعمل كسلاح، فيما القرار الوطني يدار بين خطوط خارجية دقيقة وهوامش داخلية تضيق أكثر فأكثر.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version