لم يعد ما جرى داخل مستشفى رياق الحكومي (عبد الله) يُصنَّف حادثة عابرة أو إشكالًا إداريًا عاديًا، بل تطوّر إلى حالات بلطجة واعتداءات جسدية موصوفة داخل حرم مؤسسة صحية، أسفرت عن سقوط جرحى بإصابات بالغة، وأثارت موجة استنكار واسعة ومطالبات عاجلة بالمحاسبة وفتح تحقيق قضائي فوري.
وبحسب معلومات حصل عليها “ليبانون ديبايت” من مصادر مقرّبة من عائلة آل الترشيشي، بدأت شرارة الإشكال عندما طلبت مريضة خضعت لعملية جراحية دقيقة من ابنتها إحضار صحن شوربة من المنزل، لعدم قدرتها على تناول الطعام المقدَّم في المستشفى. إلّا أنّ حرّاس المستشفى منعوا الابنة من إدخال الطعام، ما أدّى إلى توتّر عند المدخل سرعان ما تطوّر إلى تدافع، حيث أفيد بأن الحراس عمدوا إلى دفع الابنة ومنعها بالقوة.
وتضيف المصادر أنّ الابنة تواصلت مع إخوتها لإبلاغهم بما حصل، ولا سيّما بعد إبلاغها بقرار إدارة المستشفى “إقفال ملف المريضة” والشروع بإخراجها. وعلى إثر ذلك، حضر عدد من أفراد العائلة إلى المستشفى للاستفسار عن خلفيات القرار، إلّا أنّهم فوجئوا—بحسب الرواية—بوجود أكثر من 15 عنصر أمن مسلّحًا عند المدخل، حيث انهال هؤلاء بالضرب من دون أي إنذار مسبق، مستخدمين أدوات حادة، ما أدّى إلى إصابات مباشرة في الرأس والأطراف.
وتشير المعلومات إلى أنّ المدير العام للمستشفى، الدكتور محمد حمد عبد الله، كان حاضرًا بين عناصر الأمن أثناء الاعتداء، فيما سمع عدد من الشهود—وفق المصادر—عبارات تحريضية صدرت عنه بحق المعتدى عليهم، في مشهد صادم داخل حرم يُفترض أن يكون مساحة للرعاية الصحية لا ساحة للعنف والترويع.
وأسفر الإشكال عن إصابة خمسة أشخاص بجروح متفاوتة، نُقلوا جميعًا إلى مستشفى دار الأمل لتلقّي العلاج. وتبيّن أنّ الإصابات شملت ضربًا متكررًا على الرأس أدّى إلى جروح عميقة استدعت أكثر من 15 غرزة، إضافة إلى كسور ورضوض في الأطراف. ولا يزال أحد المصابين يخضع لعملية جراحية ثانية في ساقه، بعد تفاقم الإصابة الناتجة عن الاعتداء.
وكشفت المصادر أنّ عائلة آل الترشيشي تقدّمت بشكوى أمام النيابة العامة في زحلة، حيث بات الملف بعهدة المدعي العام القاضي مارسال حداد.
إنّ خطورة ما جرى لا تكمن فقط في عدد الجرحى، بل في وقوع الاعتداء داخل مؤسسة صحية وتحت نظر إدارتها، ما يفرض أخلاقيًا وقانونيًا تحرّكًا عاجلًا من وزارة الصحة العامة، إضافة إلى نقابة المستشفيات ونقابة الأطباء، لوضع حدّ لأي تفلّت أمني داخل المستشفيات، وصون كرامة المرضى وذويهم.
وطالبت مصادر العائلة بفتح تحقيق شفاف ومستقل، ومحاسبة كل من شارك أو حرّض أو غطّى أو امتنع عن منع الاعتداء، مؤكدة أنّ الصمت تواطؤ، وأنّ المستشفيات ليست فوق القانون.
وفي السياق، أصدر أهالي بلدة الناصرية بيانًا شديد اللهجة، حمّلوا فيه الدكتور محمد حمد عبد الله كامل المسؤولية الجزائية والمدنية والإدارية عمّا جرى داخل المستشفى، بصفته المدير العام والحاضر أثناء وقوع الاعتداء، معتبرين أنّ ما حصل لم يعد يُدرج ضمن خانة الإشكالات العرضية، بل يشكّل اعتداءً جسديًا موصوفًا يرقى إلى مستوى الجرائم الجزائية الخطيرة.
ووضع الأهالي الملف، بما يتضمّنه من إصابات جسدية بالغة وتقارير طبية وعمليات جراحية، برسم النيابة العامة المختصة، كما وجّهوه إلى وزارة الصحة العامة، ونقابة المستشفيات، ونقابة الأطباء، ووزارة العدل، مطالبين بفتح تحقيق عاجل وشفاف، واتخاذ الإجراءات القانونية والتأديبية اللازمة بحق كل من شارك أو حرّض أو غطّى أو امتنع عن منع الاعتداء.
وختم الأهالي بيانهم بالتأكيد أنّ الصمت عمّا جرى يُعدّ تواطؤًا، وأنّ المستشفيات ليست جزرًا معزولة عن القانون، وأنّ كرامة المواطنين ليست مادة تفاوض، مشدّدين على أنّ القضاء وحده كفيل بقول كلمته ووضع حدٍّ لأي تفلّت أو استقواء داخل المؤسسات الصحية.
