يشكّل السجال الدائر بين الحكومة وحزب الله في ملف السلاح مؤشراً إلى مرحلة جديدة من التعقيد السياسي، تكشف عمق التباين بين الجهتين. فخطوة الحكومة في تبنّي خطة الجيش لسحب السلاح بدءا من من مناطق الجنوب مع منع نقله بين المناطق كمرحلة أولى، ومن ثم تعميم جمع السلاح من عموم الأراضي اللبنانية، تؤكد مصادر حكومية أنها “محاولة جدية لإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة عبر إعلاء سلطة المؤسسات الرسمية”. لكن هذه الخطوة، التي توصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات طويلة، سرعان ما اصطدمت بموقف رافض من قيادة حزب الله، كرّسه أمس أمينه العام نعيم قاسم، الذي أعاد النقاش إلى مربّع استراتيجية الأمن الوطني كمدخل وحيد للمعالجة.
يبرز في خلفية هذا التباين الصراع المزمن على تعريف الأمن. فالحكومة ترى أن السيادة لا يمكن أن تُبنى بوجود سلاح خارج مؤسسات الدولة، في حين يعتبر حزب الله أن أي حديث عن نزع سلاحه قبل حسم الصراع مع إسرائيل هو تبسيط مخل بالمعادلة الاستراتيجية القائمة منذ عام 2000، والتي تأسست على معادلة المقاومة. هذا الخلاف ليس تقنياً بل بنيوي، إذ يتصل برؤية متناقضة لدور لبنان: هل هو دولة تلتزم بحدودها وسيادتها، أم ساحة مواجهة مفتوحة مرتبطة بصراعات إقليمية؟

لا ريب أن إقرار خطة الجيش يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب العسكري. فهو يعكس قراراً حكومياً بقطع شوط نحو تكريس مفهوم الدولة الواحدة، مما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية ودستورية طويلة مع القوى الرافضة. كما أنه يطرح إشكالية التنفيذ العملي، خصوصاً أن الخطة تبدأ من
جنوب الليطاني، أي المنطقة التي تخضع عملياً لمعادلات القرار 1701، حيث ينتشر الجيش واليونيفيل لكن في ظلّ واقع نفوذ الحزب. سيكون نجاح هذه المرحلة أو تعثرها اختباراً لمدى قدرة الحكومة على فرض سلطتها، ومدى استعداد القوى المحلية والدولية لدعمها.

من جهة أخرى، يعكس موقف الحزب خشية واضحة من أن تتحول الخطة إلى مدخل لعزله عسكرياً وسياسياً. لذلك يتمسك بخيار الاستراتيجية الدفاعية والذي يتيح له البقاء لاعباً مُقرّراً في المعادلة الأمنية. غير أن الإصرار الحكومي على المضي قدماً قد يفتح الباب أمام صدام سياسي حادّ، وربما أمني إذا لم تُدار العملية بحذر.

في المحصلة، البلد أمام مفترق طرق: إما أن تنجح الحكومة في تحويل خطة الجيش إلى مسار تراكمي نحو حصرية السلاح، مما يعيد الاعتبار إلى سلطة الدولة، أو أن يتحول الخلاف إلى أزمة جديدة تعيد إنتاج المأزق اللبناني المزمن. وفي أي حال، يعكس ما يجري إعادة ترتيب أولويات الداخل في ضوء التحولات الإقليمية، حيث يظل ملف السلاح المحكّ الحقيقي لقدرة لبنان على الانتقال من دولة مُقيّدة إلى دولة مُكتملة السيادة.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version