كتب صلاح سلام في اللواء:
مرة أخرى، ينزلق لبنان إلى مشهد سياسي مأزوم، وهذه المرة على خلفية انسحاب وزراء الثنائي الشيعي من جلسة مجلس الوزراء، احتجاجاً على إقرار ورقة رسمية، تتضمن موقفاً واضحاً من حصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ الانسحابات الإسرائيلية المتبقية. إنسحاب الوزراء لم يكن مفاجئاً، لكنه يعكس عمق الانقسام السياسي حول ملفات سيادية حساسة تتطلب أعلى درجات التوافق، لا الانقسام.
الورقة الوزارية، التي صادقت عليها الحكومة رغم الاعتراض، جاءت تلبية لمتطلبات داخلية وضغوط خارجية، لا سيما من الوسيط الأميركي والمجتمع الدولي، وهي تمثل خطوة متقدمة نحو تثبيت مرجعية الدولة، وترسيم دورها الأمني والسياسي. لكنها في المقابل، وضعت الحكومة أمام أزمة سياسية جديدة، بعدما شعر «حزب الله» بأن القرار موجّه ضده، ويستهدف سلاحه بشكل مباشر.
رأب هذا الصدع لا يكون بالتراجع عن القرار، بل بالسعي الحثيث إلى إعادة تفعيل منطق التفاهم الوطني، ضمن سقف الدولة والمؤسسات. المطلوب اليوم إطلاق حوار سياسي مسؤول، لا لإعادة البحث في المسلّمات، بل لتفكيك العقد، وتحديد خارطة طريق توازن بين ضرورات الاستقرار وواجب استعادة السيادة.
إن انسحاب وزراء الثنائي لا ينبغي أن يتحول إلى شلل حكومي، بل يجب التعامل معه كإنذار مبكر لخطورة الانزلاق إلى تصعيد سياسي وأمني، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية القائمة. في الوقت نفسه، لا يمكن القبول بمنطق التعطيل الدائم من قبل أي مكوِّن لبناني، كلما لامست الدولة ملفاً سيادياً أو اتخذت قراراً لا يرضي بعض المكونات.
لذلك، تقع المسؤولية اليوم على رئيس الحكومة وقيادات القوى السياسية مجتمعة للقيام بمسعى جدي نحو تهدئة الأجواء، من دون التخلي عن مضمون القرار المتخذ. فلبنان، الذي يعيش على وقع أزمات مالية واقتصادية غير مسبوقة، لا يحتمل مغامرات سياسية جديدة، بل يحتاج إلى جرعة ثقة داخلية وخارجية تُعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتخاذ القرارات، بل في قدرتها على الصمود والتنفيذ، ضمن مناخ من الشراكة الوطنية التي تحفظ وحدة البلاد وتُعيد الاعتبار لدور الدولة ومكانتها.