تتسارع المؤشرات المقلقة بشأن مستقبل القطاعات الاقتصادية في لبنان، وتتوالى التحذيرات من تداعيات التراجع والانكماش وارتفاع كلفة التشغيل. فقبل يومين، حذّر نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر من أن عددًا من أصحاب الفنادق في بيروت يفكرون في إقفال مؤسساتهم مؤقتًا، تحت وطأة ارتفاع الأكلاف التشغيلية وتراجع الحركة السياحية. ومساء أمس، أطلق رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير ما وصفه بـ”الإنذار الأخير قبل الانهيار الكبير للاقتصاد اللبناني”.

واليوم، ينضم قطاع المطاعم إلى قائمة القطاعات المهددة بالإقفال. ففي حديث خاص لـ”ليبانون ديبايت”، يكشف خالد نزهة، المسؤول في نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري، عن واقع بالغ الصعوبة تعيشه المؤسسات، بعدما باتت فاتورة الطاقة في بعض الحالات تفوق بدل الإيجار بأضعاف، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانحسار الحركة السياحية.

ويقول نزهة إن قطاع المطاعم يرزح تحت أعباء تشغيلية هائلة، مشيرًا إلى أن فاتورة الكهرباء في مطعم يتسع لنحو 60 إلى 70 شخصًا قد تصل إلى 9 آلاف دولار شهريًا، فيما يتراوح بدل إيجاره بين ألفين و3 آلاف دولار.

ولا تقتصر المشكلة على كلفة الاشتراك بالمولدات الخاصة، إذ تضطر المؤسسات إلى تأمين مولدات احتياطية تحسبًا لأي عطل، فضلًا عن نفقات التغذية الكهربائية الأخرى. ويؤكد نزهة أن المطاعم لا تستطيع الاستغناء عن الطاقة، لأن حفظ المواد الغذائية وضمان سلامتها يتطلبان توافر الكهرباء على مدار الساعة.

وتمتد الضغوط إلى تكاليف الشحن والتأمين البحري وسائر النفقات التشغيلية، ما يجعل الاستمرار أكثر صعوبة، خصوصًا مع تراجع الحركة الاقتصادية. ويؤكد نزهة أن عددًا من المطاعم اضطر بالفعل إلى الإقفال بسبب هذه الظروف.

ويعاني القطاع، بحسب نزهة، من تداعيات الأزمات المتراكمة منذ عام 2019، بدءًا من احتجاز أموال المودعين في المصارف وتراجع القدرة الشرائية، مرورًا بالتضخم، وصولًا إلى الحروب والاعتداءات الإسرائيلية التي انعكست سلبًا على السياحة والاستهلاك المحلي.

كما لم يستفد لبنان من المواسم السياحية كما كان مأمولًا، نتيجة المخاوف الأمنية وارتفاع أسعار تذاكر السفر. وقد دفع ذلك كثيرًا من المغتربين إلى تقليص مدة إقامتهم أو العدول عن الزيارة، فيما اختار آخرون وجهات سياحية بديلة.

ويشير نزهة إلى أن بعض الوافدين أمضوا فترات قصيرة في لبنان، فيما أقام عدد كبير من المغتربين في منازلهم أو لدى أقاربهم، ما حدّ من استفادة المؤسسات السياحية من الحركة الوافدة.

ولا تقتصر الضغوط على المطاعم العاملة في لبنان. إذ تشير معلومات “ليبانون ديبايت” إلى أن فروعًا لعلامات تجارية لبنانية في دول الخليج تواجه بدورها ضغوطًا مالية وتشغيلية دفعت بعضها إلى تقليص عملياتها أو تجميد خطط التوسع. وسُجّلت حالات إقفال وانسحاب فردية، من دون أن تتحول حتى الآن إلى موجة انسحابات جماعية من الأسواق الخليجية.

لكن تداعيات أزمة المطاعم قد تتجاوز المؤسسات نفسها، لتطال قطاعات إنتاجية واسعة ترتبط بنشاطها مباشرة. فالمطاعم تشكّل سوقًا أساسية لتصريف جزء مهم من الإنتاج الزراعي اللبناني، فضلًا عن ارتباطها بقطاعات الدواجن واللحوم والصناعات الغذائية وشركات النقل والتوزيع والموردين. ومن شأن أي موجة إقفال واسعة أن تنعكس سلبًا على هذه القطاعات، وأن تؤدي إلى خسارة المزيد من فرص العمل.

وفي هذا السياق، يشير نزهة إلى أن القطاع يشغّل نحو 50 ألف طالب وطالبة، إضافة إلى موظفيه الأساسيين، ما يجعل الحفاظ على استمراريته ضرورة اقتصادية واجتماعية، لا مجرد مسألة مرتبطة بنشاط سياحي أو ترفيهي.

ويدعو إلى توفير الاستقرار الأمني والسياسي، وتطوير البنية التحتية، وتحديث القوانين، واتخاذ إجراءات تشجّع المستثمر اللبناني على الاستمرار في بلده بدل البحث عن فرص خارجه. كما يشدد على أهمية اعتماد رؤية سياحية مستدامة على مدار السنة، تقوم على استقطاب شركات الطيران منخفضة التكلفة، وتشجيع السياحة الجماعية، وإحياء المهرجانات والفعاليات، بما يسهم في إعادة تنشيط الحركة الاقتصادية.

ويبقى السؤال: هل يمكن تخيّل لبنان من دون زحمة مطاعمه؟

فالخطر لا يكمن في إقفال مؤسسة هنا أو مطعم هناك فحسب، بل في خسارة جزء من الهوية السياحية والاجتماعية للبنان، وإضعاف دورة اقتصادية متكاملة تمتد من المزارع والمنتج إلى المطعم والمستهلك، وتؤمّن مصدر رزق لآلاف العائلات.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version