من الألم الجسدي المستمر إلى الخوف من الأصوات المرتفعة وصعوبة تقبّل الندوب، تروي المجنّدة الإسرائيلية نوا يونا ما تعيشه منذ إصابتها بجروح بالغة في هجوم بمسيّرات لـ”حزب الله”، خلال خدمتها في الاحتياط قرب الحدود اللبنانية.
وفي مقابلة مع صحيفة “يدعوت احرونوت”، تتحدّث يونا، البالغة 28 عاماً من تل أبيب، عن التغيّرات التي طالت جسدها وعملها وعلاقاتها، وعن سؤال راودها بعد الإصابة: “من سيرغب بي هكذا؟”.
كانت يونا قد أدّت خدمتها العسكرية الإلزامية مسؤولةً عن شؤون الأفراد في سرية الاستطلاع التابعة للواء المدرعات 7. وبعد 5 سنوات على تسريحها، تطوّعت في الاحتياط، وتولّت المهمة نفسها في الكتيبة 5030 التابعة للواء “ناحال”.
وتقول إنها خدمت من 10 تشرين الأول 2023 حتى آذار 2024، ثم عادت إلى الحدود الشمالية في 2 حزيران 2024، قبل إصابتها بـ3 أيام فقط. وتضيف: “لديّ أخ أصغر يخدم في غولاني، وقد استُدعي في 7 تشرين الأول. أمضيت نصف فترة خدمتي في الاحتياط أبكي خوفاً عليه، وفي النهاية كنت أنا من أُصيب”.
في البداية، تمركزت في منطقة نتوعا وشتولا قرب الحدود اللبنانية، حيث كان عدد المجنّدات 7 أو 8 بين مئات الرجال. ثم انتقلت إلى حرفيش لبضعة أيام، لمرافقة صديقتها هداس التي لم تكن تريد البقاء هناك بوصفها المجنّدة الوحيدة.
وتروي: “وصلنا الثلاثاء عند منتصف الليل، وفي عصر اليوم التالي سقطت المسيّرة التي أصابت الملجأ الصغير المجاور لنا. دخلت الشظايا وموجة الانفجار إلى الحاوية التي كنا فيها. انهار الجدار الذي كنت أستند إليه، وسقط المكيّف، وامتلأت الغرفة بالدخان. لم أكن أسمع أو أرى شيئاً”.
وتضيف: “حاولت النهوض وتحريك ساقيّ، لكنني لم أستطع. وعندما رفعت جسدي، رأيت أن ذراعي اليمنى مدمّرة تماماً، وكادت تُقتلع. صرخ أحدهم طالباً منا الاستلقاء على الأرض، لأن مسيّرة أخرى قد تصل، لكنني لم أتمكّن من الحركة”.
وبحسب روايتها، حملها جندي احتياط إلى الملجأ، حيث وُضع لها رباط لوقف النزيف، قبل وقوع انفجار آخر. ثم نُقلت بسيارة إسعاف إلى المستشفى في نهاريا بحالة حرجة للغاية، وحُوّلت بعد أيام إلى مستشفى “شيبا”.
وتصف إصاباتها قائلةً: “كان لديّ ثقب في الذراع، وثقب في الرئة، وتمزّق في الحجاب الحاجز، وكسر في الكتف، وكسر في لوح الكتف، وكسر في ضلعين، وشظايا في العمود الفقري والعنق والرأس والأذن”.
وتقول إن الهجوم أسفر أيضاً عن إصابة 10 جنود آخرين ومقتل الرقيب أول رافائيل كاودرز، الذي كان مسؤولاً عن الشؤون الدينية. وقد زارها والداه خلال وجودها في المستشفى.
ورغم صعوبة حالتها، تصف فترة الاستشفاء بأنها تجربة ارتبطت لديها بمشاعر إيجابية، وتقول عن “شيبا”: “عندما أفكّر فيه، أبدأ بالبكاء تأثّراً، وأشعر بأنه بيتي”.
لكن الآثار النفسية ظهرت بالنسبة إليها لاحقاً، بعدما انشغلت في البداية بإصاباتها الجسدية. وتوضح: “لم أفهم أن لديّ مشكلات إلا بعد وقت طويل. أفزع من كل دويّ ومن كل صرخة، ويصعب عليّ القيام بأشياء كنت أفعلها بسهولة. يصعب عليّ الوجود في الأماكن المزدحمة، وأفقد صبري بسرعة شديدة”.
وتضيف: “الحزن أيضاً شعور لم أكن أعرفه من قبل، وفجأة صار يغمرني”.
وخلال تلك المرحلة، بقي أفراد عائلتها وصديقاتها إلى جانبها، ونظّموا مناوبات لمرافقتها، حتى لا تبقى وحدها، بما في ذلك خلال الليل.
أما حياتها العاطفية، فتوقّفت لفترة. وتقول إنها كانت قد بدأت التعارف مع شاب قبل الإصابة، وزارها بعد أسبوع في المستشفى حاملاً زهرة أوركيد وشوكولاتة، لكنها لم تكن مستعدّة للدخول في علاقة.
وتشرح: “شعرت بأنني أحتاج إلى وقت لأتعرّف إلى نفسي من جديد. احتجت إلى وقت طويل حتى أتمكّن من النظر إلى الرقعة الجلدية التي زرعوها في ذراعي. كان تقبّلها صعباً جداً، وكانت إحدى أولى الأفكار التي خطرت ببالي: من سيرغب بي هكذا؟”.
وتقول إن علاقتها بجسدها تغيّرت تدريجياً: “شيئاً فشيئاً، تعلّمت أن أحبّها. والآن أحبّ ندوب جسدي، وأشعر بتصالح مع نفسي أكثر من أي وقت مضى”.
وباتت أكثر انفتاحاً على المواعدة، وإن كانت تخرج في مواعيد من حين إلى آخر فقط. وتضيف: “حلمي أن أصبح أماً. أتمنّى لو كنت في مرحلة من حياتي تسمح لي جسدياً ونفسياً وعلى صعيد العلاقة بإنجاب طفل”.
وقبل الإصابة، كانت تعمل منسّقة موسيقى، ثم ابتعدت عن هذا المجال واتجهت إلى التصوير، الذي كان هوايةً لديها. وتقول: “منذ اللحظة التي استطعت فيها تحريك جسدي، بدأت ألتقط الصور. أصبح التصوير أكبر وسيلة علاج بالنسبة إليّ، وسببي للنهوض صباحاً. واليوم بات عملي أيضاً، رغم أنني ما زلت أجد صعوبة في القول إنني مصوّرة”.
ومع ذلك، لا تزال تواجه صعوبة في الاستمرار بالعمل. وتروي أنها مرّت، قبل بضعة أشهر، بفترة لم تعد تثق خلالها بقدرتها على إنجاز المهمات، فرفضت أعمالاً عُرضت عليها.
وتؤكد أنها لا تندم على التطوّع في الاحتياط، وتربط قدرتها على التحمّل بتجارب عائلية سابقة، بينها إفلاس والدها ومعاناته أمراضاً مختلفة وإعاقة حالية.
أما أكثر ما تفتقده من حياتها قبل الإصابة، فتختصره بعبارة: “أشتاق إلى ألّا يؤلمني جسدي. إنها معاناة كبيرة جداً”.
