تتزايد الضغوط في المنطقة إلى أقصى مستوياتها، في ظل غياب الثقة بين الولايات المتحدة وإيران، وتعثر المفاوضات بين الطرفين، بالتزامن مع إعادة خلط الأوراق الإقليمية، من العراق إلى سوريا، وصولًا إلى مستقبل النفوذ الأمريكي والإيراني والتركي في المنطقة.
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والمحلل السياسي رائد المصري، في حديث لـ”ليبانون ديبايت”، أن المشهد الإقليمي يدخل مرحلة شديدة التعقيد، معتبرًا أن غياب الثقة بين واشنطن وطهران يشكل أحد أبرز العوامل التي تعرقل الوصول إلى تسوية.
وقال المصري إن “الإيراني، إذا كان يريد تقديم تنازلات، يسأل نفسه ما الذي يضمن أن ترامب لن يتراجع عن الاتفاق، كما حصل مع اتفاقيات سابقة، بمجرد انتهاء الانتخابات الأمريكية؟”، معتبرًا أن طهران تتعامل مع هذا الاحتمال بجدية وتبني حساباتها على أساسه.
وأضاف أن “الأوراق في المنطقة بدأ يُعاد خلطها”، مشيرًا إلى توقيت الانسحاب الأمريكي من العراق وما رافقه، بحسب رأيه، من تصاعد في التوترات وعودة نشاط الحركات المتطرفة.
ورأى المصري أن تركيا بدأت تظهر بصورة “الوريثة للتركة الإيرانية في المنطقة”، معتبرًا أن التحولات المتسارعة في موازين القوى الإقليمية تأتي في وقت لا تزال فيه المفاوضات الأمريكية-الإيرانية متعثرة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة، في ظل عدم تبلور ثوابت واضحة للنظام الإقليمي الذي سيعقب الانسحاب الأمريكي.
وأشار إلى أن “الفرق الإرهابية بدأت تنفلش”، معتبرًا أن تأثيرها يتزايد، ولا سيما في سوريا، مع احتمال انتقال التداعيات إلى العراق مستقبلًا.
وبحسب المصري، فإن المنطقة تقف أمام مشهد معقد حتى نهاية العام، في انتظار تطورات الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، وما ستفرزه من موازين جديدة، إضافة إلى معرفة موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد الانتخابات، وما إذا كان موقعه السياسي سيتعزز أو يضعف، وانعكاس ذلك على طريقة تعاطي واشنطن مع الشرق الأوسط.
“لا انفجار عسكري شامل ولا تسوية شاملة”
وحول السيناريوهات المحتملة، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو انفجار عسكري أم تسوية دبلوماسية، قال المصري إن “الانفجار العسكري أنا أستبعده بشكل كامل وموسّع، وأيضًا التسوية الكاملة ما عاد لها مكان في العالم”.
واذ سأل هل “نحن نشهد انفجارًا عسكريًا أو حسمًا عسكريًا أو تسوية كاملة وشاملة؟ فهو يرجح أن لا يحصل ذلك ، مشيراً الى أن هناك حالة من اللاتوازن وحالة من عدم الاستقرار، في كل منطقة يوجد أي حسم، وفي أي حرب، لأن عدم الحسم هو الذي يربح الشركات الأمريكية من خلال المضاربات بأسعار النفط وأسعار الذهب والتجارة العالمية”.
وأضاف أن استمرار اضطراب أمن الملاحة العالمية وتهديدها، وفق قراءته، ينعكس على شركات التأمين الأمريكية والغربية، معتبرًا أن “كل ما يجري اليوم من عدم استقرار أو حالة من اللايقين الموجودة تفيد السياسات الأمريكية بشكل كبير، إن كان على مستوى أسعار النفط والمضاربة، أو من خلال التصريحات التصعيدية”.
وأشار إلى أن “ترامب يصرّح بنبرة تصعيدية خلال الأسبوع، ومن ثم يأتي في نهاية الأسبوع ليصرّح بنبرة أعلى”، معتبرًا أن هذا الأمر، بحسب تحليله، يتقاطع مع حسابات مرتبطة بأسواق النفط والمضاربات.
وتابع: “هذا هو الواقع الموجود اليوم، لذلك هم مستفيدون من حالة اللايقين أو عدم الاستقرار. فلماذا يذهبون إلى تسوية طالما أن كل هذه الشركات تحقق أرباحًا وأموالًا كبيرة جدًا؟”
كما تطرق المصري إلى النفط الإيراني وفنزويلا ومضيق هرمز، معتبرًا أن التطورات المرتبطة بالطاقة والملاحة الدولية تزيد من تعقيد المشهد، وأن إعادة الاستقرار إلى حركة التجارة العالمية تحتاج، برأيه، إلى اصطفاف دولي وإقليمي واسع.
“الناخب الأمريكي يريد خدماته”
وفي ما يتعلق بالناخب الأمريكي وتأثره بما يجري في الشرق الأوسط، قال المصري إن “الناخب الأمريكي لا يهمه، إلا أن لا يتجاوز”غالون البنزين” الـ3 دولارات ونصف”، موضحاً ان التجاوز الذي حصل تم احتواؤه ، من خلال تقديم خدمات أخرى وملء الاحتياطات، مشيرًا إلى حجم الاحتياطات النفطية الأمريكية.
ويذكر بأن الولايات المتحدة أصبحت دولة منتجة للنفط الصخري، وبالتالي فإن مقاربتها لملف الطاقة تختلف عن السابق، معتبرًا أن الناخب الأمريكي ينظر بصورة أساسية إلى “خدماته الصحية وخدماته الاجتماعية ولا يهمه غير ذلك”.
“نحن أمام انعطافة يمينية”
وفي قراءة أوسع للمشهد الدولي، قال المصري: “حتى من يحكم الفكرة أو الناس أو المجتمعات هي فكرة يمين ديني متطرف؛ في إسرائيل يمين ديني متطرف، في إيران يمين ديني متطرف، ويحكم في الولايات المتحدة اليمين المسيحي المتطرف، بالمعنى والنظرة الراديكالية”.
وأضاف: ” نحن أمام انعطافة يمينية، أو علو سقف الخطاب اليميني بكل أنواعه العنصرية والإلغائية للآخر، وهذا يوصل الى القبول بتسويات بالحد الأدنى”.
وختم المصري بالقول إن “هذا هو الذي يحكم العالم اليوم”، في إشارة إلى تصاعد الخطابات السياسية المتشددة وصعوبة الوصول إلى تسويات شاملة في ظل التحولات الجارية.
