أقرّ مجلس الوزراء أمس الخميس مشروع قانون موازنة عام 2027، على أن يُحال وفق الأصول إلى مجلس النواب ضمن المهل الدستورية المحددة. إلا أن ملاحظات برزت حول غياب عدد من البنود الأساسية عن الموازنة.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير المصرفي والمالي الدكتور محمد فحيلي لـ”لبنان 24″ أن “ثلاثة بنود أساسية تغيب عن موازنة 2027، وهي: الدين العام، وحصة الدولة من الفجوة المالية، وكلفة إعادة الإعمار.”
وأشار فحيلي إلى أن “هناك التزامات قائمة، سواء ظهرت في أرقام الموازنة أم لم تظهر”، لافتاً إلى أن “إدراج هذه الالتزامات بالكامل سيؤدي إلى إظهار عجز دفتري كبير.”
وأضاف أن “الاقتصاد اللبناني، باعتباره اقتصاداً مُدولَراً، يتعامل مع الموازنة باعتبارها إشارة إلى مصادر التمويل. وفي حال ظهور عجز هائل في بلد لا يستطيع الاقتراض من الأسواق، فسيبرز السؤال حول الجهة التي ستتولى تمويله. والجواب الظاهر الوحيد سيكون المصرف المركزي، أي اللجوء إلى طباعة العملة”.
ولفت إلى أن “مجرد توقّع اللجوء إلى التمويل النقدي قد يكون كافياً لتحريك سعر الصرف، حتى قبل طباعة ليرة واحدة. وأوضح أن هذه البنود لم تُحسم بعد، إذ لم يُقرّ قانون الفجوة المالية، ولم تُنجز إعادة هيكلة الدين العام، كما لم تتضح بصورة نهائية مصادر تمويل إعادة الإعمار.”
ورأى فحيلي أن “الإعلان المبكر عن أرقام نهائية قد يقيّد هامش الدولة في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، في ظل ترابط الملفات المالية والاقتصادية العالقة.”
وأوضح أن “الحكومة تواجه في الوقت نفسه ملفات عدة، تشمل قانون الفجوة المالية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والدين العام، والموازنة، وإعادة الإعمار، وملف مجموعة العمل المالي (FATF)، إضافة إلى الاتفاق مع صندوق النقد الدولي”، مشدداً على أن هذه “الملفات مترابطة، وأن معالجة أحدها بمعزل عن الملفات الأخرى قد تخلق تداعيات على غيره.”
وفي ما يتعلق بأدوات التمويل المتاحة، اعتبر فحيلي أن “الخيارات محدودة، في ظل غياب قدرة الدولة على الوصول إلى الأسواق الدولية بشروط مقبولة، وضعف الوساطة المصرفية، وعدم قدرة المصرف المركزي على طباعة الدولار، فضلاً عن محدودية الموارد وضعف الإيرادات والجباية”. وشدد على أن “التمويل النقدي ليس خياراً قابلاً للاستمرار.”
ورأى أن “غياب البنود الأساسية عن الموازنة قد يشكّل مبرراً مؤقتاً، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دائمة، لأن “الالتزام لا يزول بمجرد حذفه من الأرقام”.
وأضاف أن “شراء الوقت قد يكون مفهوماً في المرحلة الراهنة، لكن المطلوب أن توضح الحكومة للمواطن بصورة صريحة ما هو الترتيب الزمني لمعالجة الملفات، وما الملف الذي سيُحسم أولاً وما الذي يليه.”
كما دعا إلى إعلان تعهّد واضح بعدم تمويل الدولة نقدياً، وإلى تحديد مكامن الالتزامات التي لا تظهر في الموازنة، من خلال إعداد إطار مالي متوسط الأجل يوضح مسارات الدين العام والفجوة المالية وكلفة إعادة الإعمار والجداول الزمنية المرتبطة بها.
وختم بالتشديد على ضرورة تحديد مهلة زمنية واضحة للانتقال من حالة الجمود الحالية إلى مرحلة من الاستقرار المالي والنقدي، تقوم على إعادة تفعيل القطاع المصرفي، ومعالجة أوضاع الودائع، وإقرار موازنة شاملة تعكس مختلف الالتزامات المالية للدولة.
ومن دون إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، يحذّر فحيلي من أن “يتحول الوقت الذي تسعى الحكومة إلى كسبه إلى وقت ضائع، وأن يصبح الهدوء المالي والنقدي هدفاً بحد ذاته بدلاً من أن يكون مرحلة مؤقتة على طريق معالجة الاختلالات القائمة.”
