حتى نهاية العام، على أقل تقدير، لن تُدار المنطقة وفق قواعد السياسة الخارجية وحدها، بل وفق حسابات الداخل في إسرائيل والولايات المتحدة، فالانتخابات الإسرائيلية والأميركية تفرض إيقاعاً خاصاً على القرار السياسي والعسكري، وتحوّل المرحلة الحالية إلى مساحة انتظار أكثر منها مساحة تسويات، وما يبدو هدوءاً في بعض الجبهات في الوقت الفاصل عن الانتخابات لا يعني بالضرورة أن أسباب الانفجار قد زالت، بل قد يكون مجرد هدنة مؤقتة تفرضها الحسابات الانتخابية.

في إسرائيل، يقترب الكيان من استحقاق انتخابي حاسم، فيما تبقى ملفات لبنان وإيران جزءاً من الحسابات الأمنية والسياسية الداخلية ايا يكن الحزب الفائز، وحتى إذا أفرزت الانتخابات تغييراً في المشهد السياسي، فإن انتقال السلطة لن يكون فورياً، فالقانون الإسرائيلي يمنح رئيس الدولة مهلة لتكليف أحد أعضاء الكنيست تشكيل الحكومة، ويحصل المكلّف على 28 يوماً قابلة للتمديد حتى 14 يوماً، فيما تواصل الحكومة القائمة أداء وظائفها إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة، وإذا تعذر التأليف وفق المراحل الدستورية، يمكن أن تتجه إسرائيل إلى مسار انتخابي جديد.

وهذا يعني أن نتائج الانتخابات، أياً تكن، لا تعني بالضرورة تبدلاً سريعاً في السياسة الأمنية، فقد تدخل إسرائيل في فترة انتقالية طويلة نسبياً، تبقى خلالها الحكومة القائمة صاحبة القرار، فيما تظل الملفات العسكرية مفتوحة، وبالتالي، فإن احتمال تشدد نتنياهو في إدارة الجبهات، حتى في حال خسر الانتخابات، يبقى قائماً خلال الفترة الفاصلة بين إعلان النتائج وتشكيل الحكومة الجديدة، ولا سيما إذا ارتبط الأمر بإيران أو لبنان.

المشهد الأميركي ليس أقل تعقيداً، فانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني تشكل بدورها محطة سياسية حساسة بالنسبة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، في وقت لا يزال الملف الإيراني مفتوحاً على احتمالات التفاوض والتصعيد معا،وقد ربط ترامب في تصريحاته الأخيرة إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران بما بعد انتخابات تشرين الثاني، وقد حذّر مسؤولون في الإدارة الأميركية، من احتمال استمرار النزاع مع إيران لفترة أطول بكثير مما يعلنه ترامب علناً.

المشكلة أن أي عودة إلى الخيار العسكري الأميركي ضد إيران لن تبقى بالضرورة محصورة بالساحة الإيرانية. فإسرائيل ستكون جزءاً أساسياً من معادلة المواجهة وهي التي تعتبر نفسها المتضرر الاول من اي تسوية اميركية _ايرانية، فيما يمكن أن تعود جبهة لبنان إلى الواجهة من جديد بالتوازي مع احتمال اتساع دائرة الاستهداف في البحر الأحمر وباب المندب والخليج، وما يجري في الممرات البحرية ليس تفصيلاً هامشياً فمضيق هرمز وباب المندب يمثلان عقدتين أساسيتين في حركة الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب فيهما ينعكس سريعاً على الأسواق وسيفتح الباب أمام موجة اقتصادية جديدة، تبدأ من النفط ولا تنتهي عنده.

لذلك، فإن ما يجري راهنا ليس بالضرورة هدوءاً يسبق التسوية، بل هدوءاً قد يسبق إعادة فتح الخيارات العسكرية بعد أن تتضح حسابات صناديق الاقتراع، فالانتخابات قد تعيد تشكيل الحكومات، لكنها لن تغلق تلقائياً الملفات التي أنتجت الحرب. والأكثر خطورة أن تتقاطع الحسابات بعد الانتخابات لجهة إدارة أميركية تريد تثبيت نتائجها السياسية، وحكومة إسرائيلية جديدة أو انتقالية أمام ملفات أمنية مفتوحة، وإيران أمام خياراتها، وعندها يمكن أن تنتقل المنطقة من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة إعادة فتح الجبهات، لا بقرار واحد، بل نتيجة تفاعل مجموعة من القرارات والمصالح، مع كلفة لن تبقى محصورة في حدود

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version