وسط تصاعد غير مسبوق في التوتر بين أنقرة وتل أبيب، اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توجيه رسالة مباشرة إلى الإسرائيليين، مؤكدًا أن تركيا لا تنظر إلى الشعب الإسرائيلي كعدو، ومعتبرًا أن محاولات تصوير بلاده على أنها تهديد أمني جديد ترتبط، وفق رؤيته، بالحسابات السياسية الداخلية والأجواء الانتخابية في إسرائيل.

وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، استنادًا إلى ما نشرته مجلة “نيوزويك” في إطار تقرير تناول التوتر المتصاعد بين حليفتي الولايات المتحدة والمخاوف من انتقال المواجهة الكلامية إلى الساحة العسكرية، قال أردوغان: “في الآونة الأخيرة، يجري تغذية رواية خاطئة في إسرائيل تهدف إلى تقديم تركيا على أنها مصدر جديد للتهديد”.

وأضاف: “نرى أن هذا الخطاب مرتبط بالديناميكيات السياسية الداخلية في إسرائيل وبالأجواء الانتخابية”، في إشارة إلى الانتخابات الإسرائيلية ومحاولة إدخال تركيا، بحسب موقف أنقرة، ضمن الرسائل الأمنية المستخدمة في الحملة الانتخابية.

وشدد أردوغان على أن الانتقادات الحادة التي يوجهها إلى الحكومة الإسرائيلية لا تستهدف الجمهور الإسرائيلي، قائلًا: “لا تحمل تركيا أي عداء تجاه الشعب في إسرائيل أو تجاه أي مجتمع آخر”.

وتابع: “ما نعارضه هو سياسات نعتقد أنها تتعارض مع القانون الدولي، وخطوات تعمّق حالة عدم الاستقرار في منطقتنا”.

وتأتي هذه الرسائل بعد أسابيع من التصعيد المتبادل بين الجانبين. وكانت العلاقات قد دخلت مرحلة جديدة من الاحتكاك بعد غارة إسرائيلية استهدفت الشهر الماضي قاعدة جوية في شمال سوريا، بعيد زيارة وفد عسكري تركي إلى الموقع، في وقت اعتبرت إسرائيل أن تمركزًا عسكريًا تركيًا في سوريا قد يغيّر موازين القوى ويحدّ من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي. في المقابل، اتهمت أنقرة إسرائيل بالمساس بالسيادة السورية.

ولم يبقَ التصعيد محصورًا في الميدان السوري، بل انتقل إلى السجال العلني بين قيادتي البلدين.

فقد وصف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أردوغان بأنه “ديكتاتور معادٍ للسامية”، واتهمه بمحاولة تخويف القيادة الإسرائيلية، فيما ردت الرئاسة التركية معتبرة أن هذه المواقف تندرج ضمن “تكتيكات سياسية رخيصة” ومحاولة لتصوير تركيا كتهديد جديد، في سياق قالت أنقرة إنه يرتبط أيضًا بالمنافسة الانتخابية داخل إسرائيل.

وفي موازاة ذلك، دخل أردوغان نفسه إلى قلب الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، بعدما ظهرت صورته على لافتات انتخابية إلى جانب زعيم إيران مجتبى خامنئي، ورئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، تحت شعار: “هم يريدون أن يخسر نتنياهو، لا تسمحوا لهم بالانتصار”.

واستمر التصعيد هذا الأسبوع أيضًا، إذ هاجم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أردوغان على خلفية خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، واصفًا إياه بـ”السلطان الورقي”، ومتهمًا الرئيس التركي بدعم حماس والسعي إلى إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية.

وكان أردوغان قد وجّه خلال خطابه في الأمم المتحدة انتقادات حادة إلى السياسة الإسرائيلية في غزة، ودعا إلى زيادة الضغط الدولي على إسرائيل، وهي مواقف واصلت أنقرة الدفاع عنها بعد رد كاتس.

وردت أنقرة بحدة على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، مؤكدة أن الانتقادات الإسرائيلية لا تغيّر موقف تركيا من الحرب في غزة أو من السياسة الإسرائيلية في المنطقة.

لكن خلف الحرب الكلامية، يبرز القلق من الجبهة السورية باعتبارها المساحة الأكثر حساسية بين البلدين.

ووفق “نيوزويك”، لا يرى خبراء في تركيا وإسرائيل أن المواجهة العسكرية المباشرة هي السيناريو الأكثر ترجيحًا، إلا أنهم يحذرون من أن الاحتكاك المتزايد في سوريا يرفع خطر سوء التقدير بين الطرفين.

وقال الخبير التركي إسماعيل نعمان تلجي، الذي استشهد به التقرير، إنه لا يمكن استبعاد اندلاع مواجهة محدودة بالكامل، خصوصًا إذا حاولت إسرائيل مجددًا اختبار مدى تصميم تركيا بالقرب من قواعد تنشط فيها أنقرة.

وبذلك، تجمع رسالة أردوغان بين محاولة الفصل بين خلافه مع الحكومة الإسرائيلية وعلاقته بالجمهور الإسرائيلي، وبين تحذير سياسي من تحويل تركيا إلى عنوان أمني في الانتخابات، فيما يبقى الاحتكاك في سوريا العنصر الأخطر القادر على نقل الأزمة من حرب التصريحات إلى مستوى أكثر حساسية.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version