في قلب الحمرا، الحي الذي شكّل لعقود مساحة للثقافة والفكر والفن في بيروت، يولد مشروع مسرحي جديد يحمل اسم فضاء المدينة، صرح ثقافي نتاج شراكة بين مسرح المدينة ومؤسسة فنون المسرح العربي فضاء، في محاولة لإعادة الحياة إلى ذاكرة المكان وفتح مساحة جديدة أمام الفنانين والجمهور، في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مبادرات تؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل جزء أساسي من حياة المدينة وهويتها.
ينطلق فضاء المدينة من مساحة تاريخية ضمن مبنى مسرح المدينة، ليُعاد تأهيلها وتحويلها إلى مركز فني وثقافي متكامل تديره مؤسسة فنون المسرح العربي FADA، وهي مؤسسة تُعنى بأرشفة تاريخ المسرح في لبنان والعالم العربي، إلى جانب دعم المبادرات الثقافية والفنية المرتبطة بالإرث المسرحي العربي.
ولا يقتصر المشروع على إنشاء صالة للعروض، إذ يضم مسرحًا مجهزًا يتسع لـ110 مقاعد، ومساحة متعددة الاستخدامات للورش والتدريبات والبروفات، وغرفة تحكم تقنية، ومساحات للمعارض، ومكاتب ومرافق للإنتاج، وثلاث غرف للفنانين، إضافة إلى مقهى ومساحة للقاءات المجتمعية.
الفكرة التي يقوم عليها فضاء المدينة تتجاوز مفهوم المسرح التقليدي، فالهدف هو بناء مساحة حية تجمع أجيالًا مختلفة من الفنانين، من أصحاب التجارب الأولى والمواهب الصاعدة إلى المحترفين، وتتيح لهم فرصًا للتجريب والتدريب والتعاون وتبادل الخبرات.
ويشمل البرنامج المرتقب عروضًا مسرحية، ورقصًا وموسيقى حية، وأنشطة تعليمية، ومعارض ولقاءات مجتمعية، وعروض أفلام، وورشًا تدريبية، ومسرحًا للأطفال، إلى جانب الحوارات الثقافية وفنون الحكاية.
ويطمح المشروع كذلك إلى إتاحة المساحة بأسعار مدروسة للفنانين المستقلين والخريجين الجدد والمشاريع المجتمعية والتجارب المسرحية البديلة، إلى جانب إنتاج أعمال وفعاليات خاصة بالمسرح نفسه.
بهذا المعنى، لا يحاول فضاء المدينة افتتاح مسرح جديد فحسب، بل إعادة تكوين نقطة لقاء في الحمرا؛ مكان يمكن فيه للفنان أن يجد خشبته، وللمواهب الجديدة فرصتها، وللجمهور مساحة ثقافية قريبة منه.
وتضع المبادرة ضمن أهدافها توفير فرص جديدة للفنانين الشباب، والمساهمة في استدامة العمل في القطاع الثقافي، والحفاظ على التراث المسرحي العربي، وإعادة تعزيز الهوية الثقافية للحمرا.
ولأن المشروع يقوم أساسًا على فكرة المشاركة المجتمعية، تنطلق حملة لدعم ترميم وتجهيز فضاء المدينة، ويشكّل مساء 6 تشرين الأول 2026 محطة فنية بارزة في هذه الحملة، من خلال عرض عالمريخ – اكتشفنا المي على مسرح المدينة عند الساعة الثامنة مساءً.
ويشارك في الأمسية عدد من الفنانين، بينهم ماريو باسيل، منال ملاط، آية أبي حيدر، رندا مخول، نور حجار، ساندي مطر، طارق تميم، DJ Jude Najem، جورج طويل، مي سحاب، مريم شومان ومولايتن، في أمسية تأتي دعمًا لترميم فضاء المدينة، على أن تتوفر البطاقات عبر Antoine Ticketing، وفق الإعلان المرفق.
وتعتمد المبادرة أيضًا على نموذج تمويل مجتمعي يدعو الراغبين إلى أن يصبحوا شركاء مؤسسين للمكان. ومن بين المبادرات المطروحة مساهمة سنوية بقيمة 1000 دولار لدعم الإيجار والتشغيل والتجهيزات التقنية وفريق العمل، مقابل وضع لوحة ذهبية تحمل اسم المساهم، أو اسمًا يختاره، على أحد مقاعد المسرح الـ110.
ويأمل القائمون على المشروع أن يؤمّن وجود 110 مساهمين الدعم السنوي المطلوب للمساعدة في إبقاء فضاء المدينة مستمرًا ومتاحًا، وفي الوقت نفسه تشجيع الفنانين على مواصلة الإنتاج المسرحي في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع الثقافي.
وفي مدينة أغلقت فيها مسارح وتبدّلت معالم ثقافية كثيرة، يحمل ولادة مساحة فنية جديدة معنى يتجاوز إضافة عنوان آخر إلى خريطة بيروت. فالحمرا التي صنعت جزءًا مهمًا من الذاكرة الثقافية والفنية للعاصمة تحاول، من خلال فضاء المدينة، أن تستعيد شيئًا من دورها ومكانتها.
قد يكون المسرح 110 مقاعد فقط، لكن الرهان أكبر بكثير: أن يبقى في بيروت مكان تُروى فيه الحكايات، ويجد فيه الفنان مساحة ليبدأ، ويعود فيه الجمهور إلى مقعده أمام الخشبة.

