لا يقيس تقرير إسرائيلي قوة حزب الله بسلاحه ونفوذه السياسي وحدهما. فالمنظومة الإعلامية، وفق التقرير، تؤدي دوراً أساسياً في إبقاء قاعدته متماسكة، حتى حين يتعرض لضربات تطال قيادته ومناطقه. ومن خلالها يسعى الحزب إلى تحديد معنى النصر والهزيمة، وربط الخسائر باستمرار مساره والدفاع عن سلاحه.
وبحسب ملخّص تقرير خاص أعدّته الباحثة زوي ليفورنيك لمركز “ألما” الإسرائيلي، تعمل خطابات الحزب ووسائله الإعلامية وحساباته على مواقع التواصل والملصقات والمراسم والمؤسسات الاجتماعية ضمن منظومة متصلة. ويرى التقرير أن تكرار الرموز وقصص التضحية يحوّل التأييد من خيار سياسي قابل للنقاش إلى مسألة ولاء للجماعة والقتلى والأمين العام السابق حسن نصرالله، ما يضيّق مساحة النقد داخل بيئة الحزب.
ويضع التقرير قدرة هذه المنظومة على التكيّف في صلب تحليله. فقبل الحرب، ركّز خطاب حزب الله على الردع وفرض “المعادلات” وتقديم حلول في غياب الدولة. ومع بدء القتال على الحدود اللبنانية الإسرائيلية في تشرين الأول 2023، برزت روايتا “جبهة الإسناد” و”على طريق القدس”. وبعد الضربات التي طالت القيادة، انتقل التشديد إلى الوفاء بالعهد واستمرار المقاومة، فيما أصبح الرجوع إلى القرى وإعادة الإعمار، بعد وقف إطلاق النار، جزءاً من تعريف النصر.
ووفق قراءة التقرير، لا يعني تبدّل الشعارات تخلي الحزب عن أفكاره، بل تعديل طريقة عرضها مع تغيّر الوقائع. فعندما يصعب الحديث عن انتصار عسكري حاسم، يُقدَّم الصمود بوصفه إنجازاً. وعندما يتضرر الردع، ينتقل التركيز إلى استمرار التنظيم. أما الدمار والخسائر البشرية، فيُدمجان في رواية التضحية والوفاء.
ويولي التقرير أهمية خاصة لإحياء ذكرى القتلى، من الملصقات والوصايا إلى الجنازات والاحتفالات. وهو يفسّر هذه الممارسات باعتبارها وسيلة لنقل الخسارة الشخصية إلى قصة جماعية تُلزم الأحياء بمواصلة الطريق، وترسّخ الانتماء لدى العائلات والأجيال الأصغر. وبهذا المعنى، يرى معدّوه أن الإعلام يخدم استمرار الحزب اجتماعياً، إلى جانب تبرير مواقفه الراهنة.
وتدخل إعادة الإعمار، بحسب التقرير، في الرواية نفسها. فالحزب يسعى إلى إظهار مؤسساته حاضرة مع جمهوره من القتال وإحياء الذكرى إلى التعويض وإعادة البناء. ويرى معدّو التقرير أن التركيز على مساعدة المتضررين ينقل النقاش من مسؤولية فتح الجبهة إلى الجهة التي تقف إلى جانبهم، ويعزّز ارتباطهم بمؤسسات الحزب.
وتصبّ هذه الرسائل، في تقدير التقرير، في السجال اللبناني حول السلاح. فالوفاء لنصرالله والقتلى يُربط بمواصلة نهجهم، ومواصلة النهج تُربط ببقاء “المقاومة” وسلاحها. كما يعرض التقرير اختلافاً في تعريف السيادة: بين حصر السلاح وقرار الحرب بمؤسسات الدولة، وبين تعريف الحزب لها من خلال القدرة على استخدام القوة في مواجهة إسرائيل ولو خارج سيطرة الدولة.
ويشير التقرير أيضاً إلى خطاب يصوّر معارضي سلاح الحزب أو مؤيدي التوصل إلى ترتيب مع إسرائيل على أنهم يخدمون مصالح خارجية أو يستجيبون لإملاءات أميركية وإسرائيلية، وقد يصل إلى وصفهم بالشراكة مع الطرف المقابل. وبحسب تحليله، يحدّ هذا الخطاب من النقاش داخل قاعدة الحزب عبر نقل السؤال من جدوى سياسته للبنان إلى ولاء منتقديه للجماعة والقتلى والوطن.
ولا يستخدم الحزب اللغة نفسها مع كل جمهور، وفق التقرير. فالرسائل الدينية المرتبطة بكربلاء تُوجَّه إلى قاعدته الشيعية، فيما يبرز خطاب الدفاع الوطني والسيادة أمام اللبنانيين عموماً. وتُوجَّه إلى إسرائيل رسائل عن التهديد والمراقبة والاستنزاف، بينما يُطرح السلاح دولياً باعتباره شأناً لبنانياً داخلياً. ويرى معدّو التقرير أن هذا التكيّف يساعد الحزب على الجمع بين هويته ضمن المحور الإيراني وتقديم نفسه قوة لبنانية.
ويتألف التقرير من 3 أجزاء: أولها يرسم خريطة المنظومة الإعلامية وأساليب عملها وتغيّرها منذ تشرين الأول 2023، وثانيها يتتبع تطور خطاب الحزب بين عامي 2021 و2026، فيما يراجع الجزء الثالث أبرز وسائله الإعلامية وأدوارها. وتبقى خلاصته أن قدرة حزب الله على تفسير ما جرى لجمهوره تشكّل، في نظر معدّيه، أحد مصادر استمراره في مواجهة الخسائر العسكرية والسياسية.
