بحسب أحدث الارقام التي أصدرتها دائرة الاحصاء المركزي التابعة لمجلس الوزراء منذ ايام، إرتفعت أسعار الإستهلاك في لبنان بنحو 77.3 بالمئة بين آب 2023 وتموز 2026، ما يعني أن إرتفاع الأسعار لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بغلاء المعيشة، بل بات أحد المؤشرات التي تكشف عمق التراجع في القدرة الشرائية للأسر اللبنانية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد اللبناني توقعات بانكماش جديد خلال عام 2026، وفق ما أعلنه وفد صندوق النقد الدولي بعد زيارته للبنان.
في المقابل تقدّم الحكومة والمصرف المركزي، إستقرار سعر صرف الدولار عند 89,500 ليرة منذ صيف 2023، بوصفه أحد أبرز مؤشرات الاستقرار النقدي في لبنان. لكن عند النظر إلى أثر التضخم، يتبيّن أن أسعار الإستهلاك ارتفعت بنحو 77.3 خلال هذه الفترة، أي إن سلّة من السلع والخدمات كانت تحتاج إلى 100 دولار قبل نحو 3 سنوات، باتت تحتاج اليوم إلى 177.3 دولاراً لشرائها نفسها. ومن بقي دخله عند 100 دولار، خسر 43.6 بالمئة من قدرته الشرائية، إذ بات المبلغ نفسه يشتري ما كان يمكن شراؤه بنحو 56.4 دولاراً فقط.
من هذه المعطيات يمكن أن نصل إلى النتيجة التالية، الاستقرار النقدي لا يعني استقراراً في مستوى المعيشة إذا كانت الأسعار تواصل الارتفاع، فيما تبقى الأجور والمداخيل متأخرة عنها. وفي هذه الحالة، لا يحتاج الناس إلى إنهيار جديد في سعر الليرة كي يصبحوا أفقر، يكفي أن ترتفع كلفة الغذاء والسكن والنقل والصحة والتعليم أسرع من دخولهم، وهذا ما تؤكده البيانات الرسمية لجهة إستمرار استمرار الضغوط التضخمية. فقد أظهرت بيانات إدارة الإحصاء المركزي أن مؤشر أسعار المستهلك ارتفع بنسبة 16.66 بالمئة في آب 2026 مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، وبنسبة 1.40 بالمئة خلال شهر واحد. وبالتالي، فإن لبنان لم يعد يعيش معدلات التضخم الاستثنائية التي شهدها خلال السنوات الأولى من الأزمة، لكن التضخم لم ينتهِ؛ فما زالت الأسعار ترتفع بوتيرة سنوية متطردة، الأمر الذي يواصل الضغط على القدرة الشرائية.
التضخم والانكماش.. كيف يجتمعان؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع الأسعار وانكماش الاقتصاد ظاهرتان متناقضتان، لكنهما بحسب الخبراء، يمكن أن يحدثا في الوقت نفسه. كيف ذلك؟
إذا ارتفعت الأسعار من جهة، ولم ترتفع الدخول الحقيقية بالقدر نفسه، تتراجع القدرة على الإستهلاك. ومع إنخفاض الطلب، تتعرض مبيعات الشركات والمؤسسات للضغط، ما قد ينعكس على الإنتاج والاستثمار والتوظيف، وتصبح الصورة على الشكل التالي، إرتفاع الأسعار يقابلها تآكل القدرة الشرائية وضعف الإستهلاك وتراجع الطلب وضغط على النشاط الاقتصادي والاستثمار، ولا يعني ذلك أن التضخم هو العامل الوحيد وراء الانكماش في لبنان، بل إن تأثيره يأتي ضمن مجموعة عوامل متداخلة.
صندوق النقد: الاقتصاد متجه إلى انكماش جديد
في ختام زيارته إلى لبنان في 18 أيلول 2026، قال صندوق النقد الدولي إن النشاط الاقتصادي اللبناني «متوقع أن ينكمش بشكل كبير» خلال عام 2026، فيما يبقى التضخم في خانة الأرقام المزدوجة. وأشار الصندوق إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والمساكن، والنزوح الداخلي، وتدهور مستويات المعيشة، إضافة إلى ارتفاع كلفة الطاقة واتساع عجز الحساب الجاري.
أما البنك الدولي، فيتوقع أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 بالمئة في عام 2026، بعدما كان قد سجل نمواً حقيقياً مقداره 4.2 بالمئة في عام 2025. ويشير البنك إلى أن تجدد الصراع أوقف مسار التعافي الهش، وضرب السياحة والاستهلاك والاستثمار، فيما يُتوقع أن يصل التضخم إلى 17.5 بالمئة خلال العام، بما يزيد الضغط على القدرة الشرائية.
واللافت أن البنك الدولي يضع الإستهلاك الخاص تحديداً، ضمن القنوات الرئيسية التي يتأثر عبرها الاقتصاد بالصراع، إلى جانب السياحة. كما يحذر من أن ارتفاع الأسعار الناجم عن اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والنفط سيؤدي إلى مزيد من الضغط على القوة الشرائية. من هنا تأتي أهمية رقم الـ77.3 بالمئة الصادر عن دائرة الاحصاء المركزي (جهة رسمية لبنانية)، لأنه يعكس ارتفاعاً تراكمياً في الأسعار منذ صيف 2023، فهو لا يمثل معدل التضخم السنوي الحالي، ولا يمكن استخدامه بديلاً عن مؤشر أسعار المستهلك الرسمي، لكنه يقدم صورة مبسطة عن حجم التغير في كلفة المعيشة خلال فترة زمنية ممتدة.
في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك( كما هو حال لبنان)، تصبح خسارة القدرة الشرائية عاملاً مهماً في تفسير ضعف الطلب الداخلي. فالمشكلة لا تكمن فقط في أن اللبناني يدفع أكثر مقابل السلع والخدمات، بل في أن كل دولار من دخله يشتري كمية أقل مما كان يشتريه قبل سنوات.
وبذلك، فإن التحدي أمام الاقتصاد اللبناني لا يقتصر على تحقيق نمو موجب في الناتج المحلي، بل يشمل أيضاً استعادة القوة الشرائية وتحسين الدخول الحقيقية للمواطنين، بالتوازي مع الإصلاحات المالية والمصرفية وإعادة الإعمار، فالاقتصاد قد يخرج من الانكماش على الورق، بينما يبقى المواطن يشعر بأنه في إنكماش مستمر إذا لم تتحسن قدرته الفعلية على الإستهلاك والعيش.
