بعد أشهر من الحرب والضربات المتبادلة، بدأت دول خليجية تتحرك نحو مقاربة مختلفة للعلاقة مع إيران، تقوم على فتح حوار مباشر مع طهران والبحث عن إطار أمني إقليمي، بعدما أظهرت المواجهة أن الحماية الأميركية وحدها لم تعد كافية لمنع وصول النار إلى منشآت الخليج ومدنه وممراته الحيوية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، دعت الإمارات وقطر إلى إعادة ضبط العلاقة مع إيران، في تحول يعكس مراجعة خليجية أوسع لنتائج الحرب التي اندلعت في شباط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وطهران من جهة أخرى.
وقال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال فعالية على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن الحرب شكلت “جرس إنذار”، وإن دول الخليج مطالبة بالتحرك معاً بمسؤولية وضمان قيام علاقات جيدة مع إيران، مشيراً إلى العمل على إنشاء إطار أمني إقليمي.
وفي الاتجاه نفسه، دعا المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش إلى اعتماد “عقلية جديدة” وإطلاق حوار عربي–إيراني، معتبراً أن المحادثات بين واشنطن وطهران لا تحقق تقدماً فعلياً.
ولا تأتي الدعوتان من فراغ. فقد أظهرت الحرب قدرة إيران على نقل المواجهة إلى دول الخليج التي كانت تسعى إلى البقاء خارجها. وبحسب تقارير صحافية دولية، تعرضت منشآت عسكرية واقتصادية ومناطق مدنية لهجمات صاروخية وبالمسيّرات، فيما أعلنت الإمارات في مرحلة سابقة تعرضها لأكثر من 700 مقذوف.
وأدى ذلك إلى اهتزاز الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية، خصوصاً أن دول الخليج وجدت نفسها أمام معادلة شديدة الخطورة: القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها توفر لها الحماية، لكنها تجعلها في الوقت نفسه أهدافاً محتملة لأي رد إيراني على الولايات المتحدة.
وازداد المشهد تعقيداً مع عودة الحوثيين إلى مهاجمة السعودية وتهديد طرق تصدير النفط في البحر الأحمر، بالتزامن مع استهداف خط أنابيب شرق–غرب الذي تستخدمه الرياض لتجاوز مضيق هرمز. كما اضطرت بريطانيا إلى الإعلان عن دعم عسكري محدود للسعودية، فيما بقي التدخل الأميركي المباشر دون المستوى الذي طلبته الرياض.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن دول الخليج لم تعد تبحث فقط عن طريقة لإضعاف إيران، بل عن صيغة تمنعها من استخدام أراضيها ومنشآتها أهدافاً في أي حرب مقبلة. وتقول “فايننشال تايمز” إن السعودية سبق أن بحثت فكرة اتفاق عدم اعتداء مع طهران، رغم عودة التوتر على خلفية هجمات الحوثيين والفصائل المرتبطة بإيران.
أما قطر، فتستمر في لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها مع الجانبين ومن قدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في ذروة التصعيد. ويشارك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومسؤولون إيرانيون في اجتماعات نيويورك، ما يرفع احتمال إجراء لقاءات غير معلنة أو تمرير رسائل عبر الوسطاء.
هذا التحول لا يعني أن المصالحة أصبحت منجزة أو أن دول الخليج مستعدة لتقديم تنازلات مفتوحة لطهران. فالشكوك لا تزال عميقة بشأن البرنامجين النووي والصاروخي، ودعم إيران للجماعات المسلحة، ومستقبل الملاحة في هرمز وباب المندب. كما أن الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي تمنع حتى الآن ظهور موقف موحد بالكامل.
لكن مجرد انتقال الخطاب من الردع والمواجهة إلى “إطار أمني إقليمي” يطرح سؤالاً لبنانياً مباشراً: إذا بدأت المفاوضات مع إيران على أمن المنطقة، فأين سيكون لبنان منها؟
حتى الآن، لا توجد معلومات مؤكدة تفيد بأن الملف اللبناني أُدرج رسمياً في الحوار الخليجي–الإيراني. إلا أن أي تفاهم أوسع مع طهران يصعب أن يتجاهل حزب الله، الذي يشكل أبرز حلفائها في المنطقة، ولا مستقبل السلاح في لبنان، ولا المواجهة المستمرة مع إسرائيل، ولا ملف الانسحاب وإعادة الإعمار.
ويزداد هذا الاحتمال مع دخول قطر على خط دعم الجيش اللبناني والكهرباء وإعادة الإعمار. فقد بحث رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيس الوزراء القطري في نيويورك تعزيز التعاون في قطاعي الطاقة والكهرباء ودعم الجيش، بالتوازي مع الجهود القطرية لخفض التصعيد الإقليمي.
هذا الجمع بين الدعم الاقتصادي والوساطة السياسية يمنح الدوحة موقعاً متقدماً إذا تقرر فتح قناة تتناول لبنان. لكن دورها المحتمل سيبقى مرتبطاً بموافقة السعودية والولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى قدرة الدولة اللبنانية على تقديم تصور واضح لمستقبل الجنوب والسلاح والعلاقة مع إسرائيل.
وتحمل التسوية الإقليمية المحتملة للبنان فرصة كبيرة، لكنها تحمل أيضاً خطراً لا يقل أهمية. الفرصة تكمن في إدراج الانسحاب الإسرائيلي ووقف الغارات وإعادة الإعمار ومستقبل السلاح ضمن اتفاق يخفف المواجهة. أما الخطر فهو أن تتوصل دول المنطقة إلى ترتيبات تحمي منشآتها وممراتها ومصالحها، فيما يبقى لبنان ساحة معلقة تُستخدم أوراقها لتحسين شروط التفاوض.
فإيران قد تتمسك بورقة حزب الله ضمن أي مواجهة تفاوضية مع واشنطن، فيما قد تطالب دول الخليج بتقليص نفوذ طهران الإقليمي قبل تقديم أي مساهمة مالية جدية في إعادة الإعمار. أما إسرائيل، فستسعى إلى فرض شروطها الأمنية المتعلقة بالسلاح والمنطقة التي تسيطر عليها في الجنوب.
لذلك، تصبح مشاركة سلام ووزير الخارجية يوسف رجي في اجتماعات نيويورك أكثر من جولة دبلوماسية. فالمطلوب ليس فقط طلب الدعم، بل تحديد موقع لبنان من الخريطة الجديدة: هل يدخل المفاوضات بصفته دولة تملك شروطها وأولوياتها، أم ينتظر أن تتفق القوى الإقليمية والدولية على صيغة تُعرض عليه لاحقاً؟
الخليج يفتح اليوم باباً باتجاه إيران، لكن لبنان لا يزال خلفه. والمعركة الفعلية لم تعد على فتح الباب فقط، بل على ألّا يدخل الجميع إلى التسوية فيما يبقى لبنان خارج الغرفة.
