لم يعد التصعيد بين السعودية والحوثيين أزمة يمنية بعيدة. فوصول الصواريخ والمسيّرات إلى دائرة الرياض ومنشآت الطاقة والممرات البحرية يهدد لبنان عبر 3 بوابات مباشرة: المحروقات، ومصالح اللبنانيين في المملكة، والتوازن السياسي مع إيران.
أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض، فيما قال الحوثيون إنهم استهدفوا مواقع حساسة في العاصمة ومنشآت لأرامكو في ينبع بالصواريخ والمسيّرات. وشوهد حريق في خزان وقود قرب مطار الملك خالد، من دون أن يُحسم بصورة مستقلة ارتباطه المباشر بالهجوم.
الجديد ليس استهداف السعودية بحد ذاته، بل وصول التهديد مجدداً إلى العاصمة بالتزامن مع الضغط على منشآت النفط والممرات البحرية. وهنا تبدأ التداعيات اللبنانية.
البوابة الأولى هي الطاقة. فلبنان يستورد كامل حاجته تقريباً من المحروقات، ويتأثر بسعر النفط وكلفة الشحن والتأمين. وأي استهداف لمنشآت أرامكو، أو تعطيل للمسارات البديلة عن مضيق هرمز، يضيف علاوة مخاطر جديدة إلى الأسواق. كما أن التصعيد في باب المندب قد يجبر السفن على اعتماد طرق أطول، فتزداد كلفة البنزين والمازوت والكهرباء والنقل والسلع.
البوابة الثانية هي مصالح اللبنانيين العاملين في السعودية. فآلاف العائلات اللبنانية تعتمد على رواتب وتحويلات أبنائها من المملكة، وأي تهديد لاستقرار الاقتصاد السعودي أو لمنشآت الطاقة والشركات وقطاعات الخدمات ينعكس بصورة غير مباشرة على فرص العمل والمداخيل والاستثمارات.
ولا يحتاج هذا التأثير إلى إصابة الاقتصاد السعودي بأزمة واسعة. يكفي أن يدفع استمرار الهجمات الشركات إلى تجميد توسعاتها، أو تأجيل مشاريعها، أو إعادة النظر في نفقاتها وتوظيفاتها، حتى تصل التداعيات إلى الموظفين اللبنانيين وعائلاتهم في الداخل.
وتكتسب هذه التحويلات أهمية مضاعفة في بلد يعاني انهياراً مالياً حاداً، إذ تشكل أحد أبرز مصادر السيولة بالدولار وشرياناً أساسياً للاستهلاك وتسديد الأقساط والاستشفاء والسكن. لذلك فإن أي ضغط على اللبنانيين العاملين في السعودية هو، عملياً، ضغط على الاقتصاد اللبناني نفسه.
أما البوابة الثالثة فهي سياسية. فالسعودية ركن أساسي في أي دعم عربي للدولة اللبنانية والجيش والاقتصاد. وإذا انخرطت المملكة في مواجهة مفتوحة وطويلة، ستتقدم حماية أراضيها ومنشآتها وخطوط تصديرها على ملفات إقليمية أخرى، بينها لبنان.
كما أن الرياض تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم جزءاً من شبكة النفوذ الإيراني. لذلك قد يؤدي اتساع المواجهة إلى تشديد موقفها من حلفاء طهران، وفي مقدمهم “حزب الله”، وربط أي انفتاح على لبنان بموقف أكثر وضوحاً من السلاح والدور الإيراني.
في المقابل، قد تستخدم طهران الضغط الحوثي لتحسين شروطها في أي مفاوضات إقليمية. وعندها يعود لبنان إلى طاولة المقايضات: الجنوب، وسلاح “حزب الله”، ودعم الجيش، وإعادة الإعمار، ضمن مسار يُرسم جزء أساسي منه خارج بيروت.
لا يعني ذلك أن كل صاروخ يستهدف الرياض سيرفع فوراً سعر صفيحة البنزين في لبنان أو يهدد وظائف اللبنانيين في المملكة. لكن استمرار المواجهة سيرفع تدريجياً كلفة الطاقة، ويضغط على بيئة الأعمال وفرص العمل، ويعيد ترتيب الأولويات السعودية، ويزيد شروط الانخراط المالي والسياسي في لبنان.
هكذا يصل التصعيد إلى الداخل اللبناني من دون أن يعبره صاروخ واحد: عبر محروقات أغلى، وتحويلات وفرص عمل مهددة، ودعم عربي تحكمه شروط أشد. المواجهة بعيدة جغرافياً، لكن أبوابها اللبنانية مفتوحة.
