أعادت الذكرى الثانية لتفجيرات أجهزة “البيجر” فتح واحد من أكثر ملفات الحرب غموضاً، وسط فارق واضح بين التغطية الإسرائيلية التي قدّمت العملية بوصفها إنجازاً استخباراتياً غيّر مسار المواجهة مع حزب الله، والتناول الدولي الذي ركّز على الضحايا المدنيين وخطورة تحويل أجهزة الاتصال اليومية إلى أسلحة قابلة للتفجير عن بُعد.
وفي الإعلام الإسرائيلي، تصدّرت رواية “الضغطة التي هزّت حزب الله”. واعتبرت القناة 14 أن العملية أدخلت الحزب خلال دقائق في حالة من الفوضى، وضربت عناصره وقادته وشبكة اتصالاته، قبل أن تمهّد لسلسلة عمليات انتهت باغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله بعد 10 أيام.
وأعادت القناة نشر الرواية التي تفيد بأن بعض الأجهزة عرض رسالة بدت عادية، تطلب من حاملها أن “يضغط بكلتا اليدين”، قبل وقوع الانفجار. كما تحدثت عن إعداد استمر سنوات، بعدما رصدت الاستخبارات الإسرائيلية بحث حزب الله عن وسيلة اتصال بديلة من الهواتف الخلوية التي كان يخشى اختراقها وتعقب مستخدميها.
أما “جيروزاليم بوست”، فذهبت أبعد في توصيف العملية، وطرحت سؤالاً عما إذا كانت “أفضل عملية نفذها الموساد على الإطلاق”. ووفق روايتها، عملت إسرائيل لسنوات على اختراق سلسلة توريد أجهزة الاتصال، وأنشأت واجهات تجارية مكّنتها من إيصال أجهزة مفخخة إلى حزب الله من دون إثارة شكوكه.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين سابقين أن العملية فاجأت واشنطن أيضاً، بعدما أُبلغت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، قبل التنفيذ بوقت قصير، بأن إسرائيل ستستخدم “قدرة خاصة” من دون تقديم تفاصيل عنها. وبحسب الرواية، لم يعرف المسؤولون الأميركيون طبيعة العملية إلا بعد بدء الانفجارات وظهور صورها على الشاشات.
وركّزت التغطية الإسرائيلية على أن التفجيرات لم تكن عملية منفصلة، بل بداية انقلاب في مسار الجبهة الشمالية. ففي اليوم التالي، انفجرت أجهزة اتصال لاسلكية في مناطق لبنانية عدة، ثم انتقلت إسرائيل إلى مرحلة أوسع من الاغتيالات والغارات التي استهدفت البنية القيادية للحزب.
لكن الأرقام التي أعادت وسائل الإعلام نشرها لم تكن موحّدة. فالقناة 14 تحدثت عن مقتل 59 شخصاً في لبنان وسوريا وإصابة أكثر من 4500، فيما أشارت تقارير دولية إلى حصيلة أدنى راوحت بين 37 قتيلاً ونحو 3000 مصاب في موجتَي تفجير أجهزة “البيجر” والاتصال اللاسلكي، ما يعكس استمرار غياب حصيلة نهائية موحّدة تفصل بين عناصر الحزب والمدنيين وبين ضحايا المرحلتين.
وعلى خلاف الزخم الإسرائيلي، لم تحظَ الذكرى الثانية بتغطية مستقلة واسعة في كبريات وسائل الإعلام العالمية. وتركّزت المواد الدولية المتداولة حول الملف على شهادات الناجين والإصابات الدائمة في العينين واليدين والوجوه، إضافة إلى مقتل مدنيين وأطفال ووقوع الانفجارات داخل منازل ومتاجر وأماكن عامة.
كما أعادت تقارير دولية التذكير بأن إسرائيل لم تعلن مسؤوليتها رسمياً عند وقوع التفجيرات، قبل أن يكشف مسؤولون وعناصر سابقون في “الموساد” لاحقاً تفاصيل عن إنشاء شركات وهمية والتلاعب بسلسلة التوريد وزرع المتفجرات داخل الأجهزة.
وبينما قرأ الإعلام الإسرائيلي العملية كضربة نفسية واستخباراتية أطاحت شعور حزب الله بالأمان، بقي السؤال الدولي متركزاً على السابقة التي أرستها: ماذا يعني أن تتحول أجهزة مدنية متداولة إلى عبوات ناسفة، وأن ينفجر السلاح في يد حامله من دون إمكان حصر أضراره بمن جرى استهدافهم؟
بعد عامين، لا تزال عملية “البيجر” حاضرة في إسرائيل باعتبارها لحظة تفوق غيّرت ميزان المواجهة، فيما بقيت في لبنان جرحاً جماعياً وملفاً أمنياً وقانونياً لم تُكشف جميع خيوطه حتى الآن.
