لا يذهب لبنان إلى اجتماع باريس حاملاً طلباً تقليدياً للحصول على مساعدات عسكرية، بل خطة يُفترض أن تجيب عن سؤال دولي بالغ الحساسية: هل يستطيع الجيش اللبناني أن يتولى فعلياً مسؤولية الأمن في الجنوب، في حال انسحاب إسرائيل وانتهاء مهمة “اليونيفيل”؟
يحضر الرئيس جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل الاجتماع الذي يستضيفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بمشاركة الملك الأردني عبدالله الثاني ومسؤولين عسكريين ودبلوماسيين دوليين. والهدف المعلن هو الاستماع إلى خطة الجيش وتحديد احتياجاته، تمهيداً لعقد مؤتمر أوسع للمانحين.
لكن باريس لا تريد لائحة مشتريات مفتوحة. المطلوب خطة انتشار واضحة تتضمن حجم القوات، المناطق التي ستنتشر فيها، المهمات المطلوبة منها، المهل الزمنية، والكلفة التشغيلية. كما يريد المشاركون معرفة ما يستطيع الجيش تنفيذه فوراً وما يحتاج فيه إلى دعم خارجي طويل الأمد.
وتشمل احتياجات المؤسسة العسكرية تعزيز رواتب العسكريين، وتأمين الوقود والآليات والذخيرة، إضافة إلى معدات الهندسة ونزع الألغام والمراقبة والاستطلاع والحماية من المسيّرات والصواريخ. فالجيش لا يواجه نقصاً في السلاح فقط، بل أزمة قدرة متكاملة تبدأ من تثبيت العناصر في الخدمة ولا تنتهي بتغطية مساحة واسعة من الجنوب.
المعضلة أن المانحين يريدون ربط الدعم بنتائج قابلة للقياس. أي إن الأموال والمعدات لن تكون منفصلة عن التقدم في انتشار الجيش وحصر السلاح ومنع عودة البنى العسكرية إلى المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل.
في المقابل، يرفض لبنان أن يتحول الجيش إلى قوة تُدفع نحو مواجهة داخلية مع “حزب الله”، أو أن يُطلب منه الانتشار في مناطق لا تنسحب منها القوات الإسرائيلية ولا تتوقف فيها الضربات. لذلك يتمسك الوفد اللبناني بمعادلة تبدأ بالانسحاب الإسرائيلي، ثم انتشار الجيش وعودة الأهالي، بالتوازي مع معالجة ملف السلاح بالحوار والقرار السياسي.
وتكتسب هذه المفاوضات أهمية إضافية مع اقتراب انتهاء مهمة “اليونيفيل” في نهاية 2026. فالجيش سيكون مطالباً بتولي مهمات تحتاج إلى أعداد وتجهيزات وتمويل لا يملكها حالياً، فيما لا يزال شكل الحضور الدولي البديل موضع تفاوض.
لن تكون نتيجة اجتماع باريس في عدد الصور أو البيانات السياسية. الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان سينتج التزامات مالية وعسكرية محددة، وأسماء دول مستعدة للدفع، وجدولاً زمنياً قابلاً للتنفيذ.
أما إذا انتهى الاجتماع بتكرار عبارات دعم الجيش من دون أرقام ومهل، فسيعود الوفد اللبناني من باريس بلائحة احتياجات معروفة، فيما تبقى الأرض في الجنوب تحت رحمة ميزان عسكري لا يملكه لبنان.
