فتح تأجيل الاجتماع الإقليمي الذي كان مقرراً في سلطنة عُمان لبحث ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز باب مواجهة سياسية جديدة خلف الكواليس، مع تصاعد اتهامات إيرانية مباشرة للولايات المتحدة بالعمل على إفشال المسار والضغط على دول الخليج لعرقلة تفاهم كان من شأنه، وفق القراءة الإيرانية، تثبيت واقع جديد في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، تتهم سلسلة من الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام في إيران واشنطن بالتدخل من خلف الستار في الترتيبات المرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على دول خليجية لإلغاء الاجتماع الذي كان مقرراً في عُمان.
وكان اللقاء يُفترض، من وجهة النظر الإيرانية، أن يشكل إنجازاً مهماً لطهران، وأن يمنح غطاءً إقليمياً للواقع الجديد في المضيق، فيما ذهب محللون إيرانيون إلى اعتبار أن تأجيله يهدف إلى انتزاع مزيد من التنازلات من إيران. وفي المقابل، لا تقتصر الاعتراضات على الموقف الأميركي، إذ تعارض دول خليجية عدة بدورها هذا المسار.
وتصاعدت الانتقادات داخل إيران بعد تأجيل المحادثات التي كان يفترض أن تستضيفها سلطنة عُمان في محاولة للتوصل إلى ترتيبات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز، في مسار كان من شأنه أن يعزز السيطرة الإيرانية على المضيق.
واتهم أعضاء في البرلمان الإيراني ووسائل إعلام محسوبة على التيار المحافظ ومحللون إيرانيون الولايات المتحدة بالسعي إلى إفشال الخطوة، على الرغم من أن مسؤولين في إيران وعُمان أرجعوا التأجيل إلى اعتراض دول في المنطقة، ولا سيما المخاوف السعودية المرتبطة بالتطورات في اليمن.
وكان الاجتماع مقرراً يوم الاثنين في مدينة صلالة العُمانية، قبل أن يُرجأ في وقت قصير من موعد انعقاده. وقال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إن القرار اتُخذ «لمصلحة التوافق».
من جهته، قال مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية إن التأجيل جاء بطلب من «بعض دول المنطقة»، فيما أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن السعودية طلبت إرجاء الاجتماع بسبب التطورات في اليمن. وحتى الآن، لم يُحدد موعد جديد للقاء.
وبالنسبة إلى طهران، كان الاجتماع يفترض أن يمنح شرعية عربية للتفاهم الذي تعمل عليه مع عُمان بشأن الواقع الفعلي في مضيق هرمز. غير أن دولاً عدة في الخليج تعارض فكرة سيطرة إيران على المضيق وفرض رسوم مرور وضرائب على السفن التي تعبره، فيما كانت طهران تراهن على أن يظهر الاجتماع بوصفه إنجازاً سياسياً مهماً لها.
ووصف بقائي اللقاء بأنه «فرصة» أوجدتها إيران وعُمان، داعياً دول المنطقة إلى عدم السماح بضياعها.
وقال: «لا أعتقد أن أي طرف مسؤول سيوافق على أن نفقد هذه الفرصة لأي سبب كان، سواء بسبب تدخل خارجي أو بسبب ذرائع لا علاقة لها فعلياً بإيران».
لكن الاتهامات الإيرانية سرعان ما أصبحت أكثر مباشرة تجاه واشنطن. وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني فدا حسين مالكي إن الولايات المتحدة حاولت، منذ البداية، منع العملية التي تقودها مسقط، أو ضمان مشاركتها كطرف ثالث في الاجتماع في حال انعقاده.
ورأى مالكي أن التوصل إلى تفاهم بين إيران وعُمان بشأن مضيق هرمز قد يشكل «هزيمة سياسية إضافية للولايات المتحدة»، معتبراً أن واشنطن أرادت الحصول على دور في الترتيبات المرتبطة بهذا الممر المائي الاستراتيجي، في وقت أجرت فيه إيران وعُمان حوارهما بشأنه بصورة مستقلة عن المفاوضات بين طهران وواشنطن.
ويقول تقرير N12 إن الولايات المتحدة تواصل، في الواقع الحالي، فرض سيطرتها بالقوة في المضيق، ومنع حركة سفن من إيران وإليها، إلى جانب مساعدة ناقلات النفط التابعة لدول الخليج على الخروج منه.
بدوره، كتب علي قلهكي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، عبر منصة «X»، أن السعودية والبحرين والإمارات أفشلت الاجتماع، لكنه شدد على أن «اللاعب الرئيسي خلف إلغاء الاجتماع هو أميركا!».
أما البحرين، فأكدت أنها لن توافق على الاجتماع مع إيران قبل تسوية العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وذلك بعدما تعرضت، وفق التقرير، لهجمات إيرانية عدة خلال الحرب.
وقدم المحلل الإيراني المتخصص في العلاقات الدولية مير قاسم مؤمني قراءة مماثلة، معتبراً أن تأجيل اللقاء يستهدف زيادة الضغط على إيران وانتزاع مزيد من التنازلات منها.
وقال مؤمني: «هذا سيناريو خطط له الأميركيون، فيما تنفذه السعودية ودول أخرى».
وفي موازاة الاتهامات الموجهة إلى واشنطن، يبرز تفسير آخر وأكثر مباشرة للموقف السعودي. فطلب الرياض تأجيل الاجتماع جاء وسط تصاعد التوتر المرتبط باليمن والهجمات التي طالت منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية في المملكة، ما زاد المخاوف بشأن أمن طرق التصدير البديلة في وقت لا تزال فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مضطربة.
وزاد الحوثيون الضغط على السعودية على خلفية القتال في اليمن، فيما عززت الهجمات على منشآت الطاقة السعودية المخاوف المتعلقة بأمن طرق التصدير.
وعلى الرغم من ذلك، زعمت صحيفة «كيهان» الإيرانية المحافظة أن السعودية استخدمت التصعيد مع الحوثيين والهجمات ضد منشآتها ذريعة لإفشال الاجتماع.
أما صحيفة «جوان» المقربة من الحرس الثوري الإيراني، فسعت إلى إقامة رابط أكثر مباشرة بين الرياض وواشنطن، مشيرة إلى اجتماع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، معتبرة أن اللقاء يعكس تنسيقاً أميركياً–سعودياً ضد المحادثات.
لكن الاجتماع بين بن سلمان وكوبر عُقد بعد إعلان سلطنة عُمان تأجيل اللقاء، ولا توجد أدلة علنية تربط زيارة كوبر بالقرار. ووفق وسائل الإعلام السعودية الرسمية، بحث الجانبان العلاقات بين البلدين وآخر التطورات في المنطقة.
في المقابل، يرى عدد من المحللين داخل إيران أن تأجيل الاجتماع يكشف مشكلة أوسع تتعلق بمحاولة معالجة أزمة مضيق هرمز من خلال دبلوماسية إقليمية فقط.
واعتبر مؤمني أن واشنطن ما زالت تمتلك نفوذاً كافياً على الدول العربية في الخليج لمنعها من التوصل إلى تفاهم مستقل مع طهران.
وقال: «حل مشكلة مضيق هرمز ليس اتفاقاً بين إيران والدول العربية، بل اتفاق بين إيران والولايات المتحدة».
من جهته، كتب المحلل السياسي رحمن قهرمانبور عبر منصة «X» أن التأجيل يعكس تحفظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إعادة إحياء «إطار إسلام آباد»، أي اتفاق إسلام آباد لوقف إطلاق النار في الحرب، وتفضيله بلورة إطار جديد يعالج في الوقت نفسه إعادة فتح مضيق هرمز والملف النووي.
أما أستاذ العلاقات الدولية محسن جليلوند، فقال إن من الواضح منذ البداية أن الاجتماع إما لن يُعقد وإما لن يقود إلى نتيجة ملموسة، لأن الأطراف الرئيسية في المواجهة، وخصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، ليست موجودة على طاولة المفاوضات.
وأوضح أنه إذا كان الهدف إنشاء آلية مستقرة لإدارة المرور في مضيق هرمز، فيجب أن تشارك فيها الأطراف التي تمتلك قدرات ردع فعلية والقوة اللازمة لتطبيق أي اتفاق.
وقال: «وإلا، فإن المعاهدات الإقليمية وحدها لا تستطيع توفير ضمانة أمنية قوية لتغيير الوضع الحالي».
غير أن الاعتراض على المسار لا يأتي فقط من واشنطن أو بعض دول الخليج، إذ توجد داخل إيران نفسها أصوات ترفض أساساً التفاهم المقترح مع عُمان.
ويُعد رئيس تحرير صحيفة «كيهان» حسين شريعتمداري، الذي يصفه التقرير بأنه أحد أكثر الأصوات تشدداً في الإعلام الإيراني، من أبرز معارضي التفاهمات مع مسقط. وهو يرى أن الترتيب المقترح يمنح الولايات المتحدة «متنفساً»، وأن إيران لا ينبغي أن تتفاوض مع دول أخرى في الخليج بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.
وفي مقال نشره يوم الاثنين، هاجم شريعتمداري قرار دعوة دول خليجية إضافية إلى الاجتماع، واتهمها بالدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكتب: «ما دامت لم تدفع ثمن دعمها لجرائم أميركا وإسرائيل ولم تُعاقب، فلا ينبغي أن يكون لها أي دور أو حضور في عملية اتخاذ القرار في الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
وهكذا، يتقاطع الغضب الإيراني من الدور الأميركي المفترض مع اعتراض خليجي واضح على الصيغة المطروحة. ويشير تقرير “N12” إلى أنه من المرجح جداً أن تمارس واشنطن ضغوطاً على عُمان لمنعها من الموافقة على ترتيب يمنح إيران السيطرة على مضيق هرمز وحق جباية الرسوم، إلا أن المعارضة لا تقتصر على الولايات المتحدة.
فإلى جانب السعودية والبحرين، شددت الإمارات خلال الأسابيع الأخيرة، في مناسبات عدة، على رفضها فرض أي مبالغ مالية لقاء حركة السفن عبر مضيق هرمز.
وبذلك، لا يبدو أن عقدة هرمز محصورة في خلاف بين طهران وواشنطن، بل باتت تكشف تضارباً أوسع حول من يملك حق رسم قواعد المرور في المضيق، ومن يشارك في أي تسوية مقبلة، وما إذا كانت التسوية يمكن أن تولد من داخل الخليج وحده أم أن واشنطن ستبقى جزءاً لا يمكن تجاوزه في معادلة هذا الممر الاستراتيجي.
