لم تكد إسرائيل تعلن انتهاء عمليتها في أنفاق علي الطاهر حتى انتقل التركيز العسكري والإعلامي إلى بلدة المنصوري في القطاع الغربي من الجنوب، حيث تتكرر الغارات والقصف المدفعي وعمليات التفجير والتجريف بصورة شبه يومية.
وفي مؤشر لافت، نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية تقريراً بعنوان “بعد تدمير شبكة أنفاق علي الطاهر: هذه هي البلدة التي تؤرق الجيش الإسرائيلي”، معتبرة أن المنصوري باتت تشكل العقدة التالية أمام القوات الإسرائيلية داخل ما تسميه “الخط الأصفر”.
وبحسب التقرير، تعمل قوات من لواء المظليين الاحتياطي 55 التابع للفرقة 91 منذ أسابيع في محيط البلدة، تحت غطاء المدرعات وسلاح الهندسة، فيما تنفذ الطائرات غارات على المنازل والمباني بمعدل يتراوح بين مرة و3 مرات يومياً، بالتزامن مع القصف المدفعي.
ويزعم الجيش الإسرائيلي أن المباني المستهدفة مفخخة أو معدة لمراقبة قواته واستهدافها بالنيران. لكن هذه الادعاءات لم تُدعّم بأدلة مستقلة، فيما تظهر المشاهد الواردة من المنطقة تدميراً متدرجاً للمنازل والمنشآت، دفع السكان إلى مراقبة إزالة بلدتهم من مسافات بعيدة.
ولا تنبع أهمية المنصوري من حجمها فقط، بل من موقعها. فهي تقع على المحور الساحلي المؤدي إلى مدينة صور، وتُعدّ من أكبر التجمعات المبنية بين مجدل زون وصور، كما أنها تقع عند الطرف الشمالي للمنطقة التي تحاول إسرائيل فرضها كحزام أمني داخل الأراضي اللبنانية.
وتقدّر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفق “معاريف”، أن حزب الله قد يحاول استخدام البلدة للعودة إلى المنطقة وتنفيذ عمليات ضد القوات المتمركزة في القطاع الغربي، ولا سيما في محيط مجدل زون. ومن هنا، تتعامل إسرائيل مع المنصوري بوصفها مساحة ينبغي إفراغها وتدمير بنيتها العمرانية قبل أن تتحول إلى نقطة ضغط على قواتها.
لكن التقرير لا يقدم دليلاً على وجود قوة للحزب داخل البلدة، ولا يكشف عن عملية وشيكة بحجم عملية علي الطاهر. وما يعرضه هو تقدير عسكري إسرائيلي يجري استخدامه لتبرير عمليات هدم وقصف واسعة داخل منطقة مأهولة.
التحول الأخطر أن إسرائيل لم تعد تكتفي باستهداف موقع عسكري محدد، بل بدأت تتعامل مع قرى كاملة باعتبارها جزءاً من “منطقتها الأمنية”. فبعدما فجّرت منشأة علي الطاهر ثم انسحبت إلى نقاط تتحكم بالقمة من بعيد، يبدو أنها تطبق في المنصوري نموذجاً مختلفاً: تدمير المباني وفتح خطوط الرؤية وإزالة أي غطاء عمراني يمكن أن يهدد قواتها.
لهذا السبب، لا تكمن قصة المنصوري في احتمال تكرار مشهد الأنفاق، بل في احتمال أن تكون البلدة نموذجاً لمرحلة جديدة من الحرب: احتلال منخفض الكلفة، يعتمد على المراقبة والنيران والتجريف بدلاً من الانتشار الكثيف.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت المنصوري هدفاً تالياً فحسب، بل كم بلدة أخرى ستضعها إسرائيل داخل “الخط الأصفر” قبل أن يتحول الواقع العسكري الذي فرضته بالقوة إلى حدود جديدة على الأرض؟

