تتسع فصول الحرب في أوكرانيا بين حصار خانق يضرب مدينة أوليشكي في مقاطعة خيرسون، وهجمات روسية مكثفة اقتربت من قطار كان يقل مسؤولين غربيين بارزين قرب الحدود البولندية، بالتوازي مع مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كييف بوقف ضرباتها على منشآت الوقود الروسية، التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر أوراق الضغط الأوكرانية فعالية.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، تحيي مدينة أوليشكي الواقعة في مقاطعة خيرسون جنوب أوكرانيا هذا الأسبوع الذكرى الـ942 لتأسيسها، إلا أن سكانها الذين يعيشون منذ سنوات تحت السيطرة الروسية لا يجدون الكثير للاحتفال به.
فالمدينة معزولة منذ أشهر طويلة، فيما تفشل شحنات المساعدات في الوصول إليها، ويعاني السكان الذين ما زالوا فيها من الجوع ونقص حاد في المواد الغذائية.
وأفادت وسائل إعلام أوكرانية بأن بعض السكان اضطروا إلى جمع الأعشاب من جوانب الطرق، والبحث عن بقايا الطعام داخل أقبية مبانٍ تضررت جراء القصف.
وقالت المتطوعة من أوديسا ناتاليا سوبوليفا إن ما يجري في أوليشكي هو “جوع حقيقي”، موضحة أن السكان يتجولون في المدينة لجمع الأعشاب ثم يقومون بطهوها، فيما ينتقلون بين الأقبية المدمرة بحثًا عن أي مواد غذائية قابلة للأكل.
وتقع أوليشكي على الضفة الشرقية لنهر دنيبرو في منطقة تسيطر عليها روسيا.
وكانت المدينة قد غمرتها المياه بعد تفجير سد كاخوفكا عام 2023، فيما أُغلقت أمام حركة المرور منذ نهاية عام 2025.
وأصبحت الطرق المؤدية إليها مزروعة بالألغام، كما تعرضت قوافل مساعدات حاولت دخول المدينة لإطلاق نار.
وفي تموز الماضي، أكد مراقبون من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وجود حصار مفروض على المدينة.
وبحسب رئيس الإدارة الإقليمية في خيرسون أولكسندر بروكودين، لا يزال مئات الأشخاص موجودين في أوليشكي، بينهم مسنون وأطفال، فيما توقفت تقريبًا شحنات المواد الغذائية منذ أشهر.
وقال بروكودين إن القوات الروسية تمنع إجلاءهم.
ولا يقتصر النقص في الغذاء على السكان، إذ تعاني مئات الحيوانات التي تُركت في المدينة من الجوع أيضًا، فيما يتقاسم معها السكان القليل مما يتمكنون من العثور عليه.
وتواجه محاولات إدخال الطعام والمياه إلى المدينة إطلاق نار روسيًا كذلك.
وقالت سوبوليفا إن القوات الروسية تستهدف المركبات الإنسانية التي تحاول الوصول إلى أوليشكي، مشيرة إلى أن آخر شحنة غذائية تمكنت من دخول المدينة كانت في أيار الماضي، أي قبل نحو 5 أشهر.
أما المحاولة الأخيرة، في 1 أيلول، فانتهت بقصف 4 مركبات للمتطوعين.
وبحسب مسؤولين في المدينة ومتطوعين، فإن السبيل الوحيد المحتمل لإنقاذ السكان يتمثل في فتح ممر إنساني مضمون، لكن روسيا لا تسمح بذلك.
وكان متطوعون، بالتعاون مع مفوض حقوق الإنسان في أوكرانيا، قد أعدوا مرتين قوائم بأسماء السكان الراغبين في المغادرة.
ووفق التقرير، جرت المصادقة على هذه القوائم مع الجانب الروسي، إلا أن القوات المسيطرة على المنطقة رفضت رغم ذلك فتح طريق للخروج.
وأشار التقرير إلى أن قصة أوليشكي ليست سوى واحدة من قصص بلدات ومدن أوكرانية عديدة سيطرت عليها روسيا خلال الحرب، فيما تقول موسكو إنها تتحرك من أجل “تحرير” هذه المناطق.
وفي تطور آخر، تصاعد التوتر في غرب أوكرانيا أمس بعد هجوم روسي أصاب قطارًا قرب الحدود مع بولندا.
وقالت شركة السكك الحديدية الأوكرانية إن من المحتمل أن يكون القطار المستهدف جزءًا من محاولة روسية لضرب قطار آخر مرّ في المنطقة قبل وقت قصير وكان يقل مسؤولين ومستشارين أمنيين بارزين من دول أوروبية.
وكان قطار قد انطلق صباح أمس من كييف إلى وارسو، وعلى متنه رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، ورئيس الوزراء السويدي السابق كارل بيلت، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “CIA” ديفيد بترايوس، إلى جانب عدد من المستشارين الأمنيين من دول أوروبية، بينهم مستشار رفيع للمستشار الألماني فريدريش ميرتس.
وبعد نحو ساعة من عبور القطار الحدود إلى بولندا، أصابت طائرة مسيّرة روسية قاطرة قطار آخر كان يسلك المسار نفسه.
وقالت شركة السكك الحديدية الأوكرانية إنه من “المرجح جدًا” أن تكون المسيّرة الروسية قد استهدفت أيضًا القطار الذي كان يقل الوفد، إلا أنه غادر المحطة أبكر من موعده المقرر ضمن تعديلات أُجريت في الوقت الفعلي على الجدول الزمني بسبب استمرار خطر الهجمات الروسية.
وأصابت الضربة محرك قطار قريب، فيما روى ركاب القطار الذي تعرض للهجوم أثناء توجهه إلى بولندا أنهم اضطروا إلى الإخلاء مرات عدة خلال الليل.
ونقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن أحد الركاب قوله إنه خلال عملية الإخلاء الثالثة مر فوقهم صاروخ أو طائرة مسيّرة قبل أن يصيب القاطرة التي كانت أمامهم.
ولم يُصب أي من ركاب القطار المستهدف بأذى.
وأظهرت تسجيلات من موقع الهجوم ركابًا يفرون من المكان، فيما شوهد من مسافة بعيدة وميض كبير ناجم عن لحظة الانفجار.
وشملت الهجمات الروسية على أنحاء أوكرانيا في الليلة نفسها أكثر من 450 طائرة مسيّرة وصاروخًا.
وقُتل ما لا يقل عن 6 أشخاص وأصيب أكثر من 40 آخرين.
وقال سلاح الجو الأوكراني إنه تمكن من اعتراض 405 طائرات مسيّرة و4 صواريخ.
أما في الليلة السابقة، فقُتل ما لا يقل عن 11 شخصًا.
وشهد غرب أوكرانيا، الذي يكون عادة أكثر هدوءًا من كييف والجبهة الشرقية، هجمات قاسية بصورة خاصة.
كما دوت الإنذارات في بولندا على خلفية الهجمات بعد استهداف القوات الروسية مناطق قريبة من الحدود.
وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن ما يجري يمثل “إرهاب بوتين الذي يطرق مباشرة أبواب الاتحاد الأوروبي والناتو”.
أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فقال إن الأوكرانيين يقاتلون يوميًا لمنع امتداد الهجمات إلى أوروبا.
وعقد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك اجتماعًا أمنيًا طارئًا، محذرًا من أن الهجمات الروسية قد تؤثر أيضًا في الأراضي البولندية.
وقال إن الأسابيع والأشهر المقبلة يُتوقع أن تشهد فترة من النشاط الروسي المكثف بصورة خاصة، مضيفًا أن بولندا لا تستطيع استبعاد احتمال امتداد التصعيد إلى أراضيها.
وكانت تقارير خلال الأشهر الأخيرة قد أشارت إلى أن بولندا تستعد لاحتمال تعرضها لهجوم روسي فعلي.
في المقابل، قالت روسيا إنها استهدفت بنى تحتية للسكك الحديدية في غرب أوكرانيا تُستخدم لنقل شحنات عسكرية من دول أوروبية.
وفي خضم هذا التصعيد، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس من زيلينسكي وقف الهجمات على المصافي والمنشآت الروسية المستخدمة في إنتاج الديزل وتوزيعه.
وتُعد هذه الهجمات من أكثر الأدوات الأوكرانية فعالية ضد روسيا خلال الأشهر الأخيرة، مع تسببها بخسائر بشرية محدودة نسبيًا.
وقال ترامب إن زيلينسكي “يجب أن يتوقف عن ضرب الوقود في روسيا”، معتبرًا أن هذه الهجمات تؤدي إلى نقص في الديزل وارتفاع الأسعار.
وأضاف أن لدى أوكرانيا أهدافًا أخرى يمكنها ضربها، لكن “ليس الديزل”، لأن ذلك “يضر بالعالم”.
وتأتي تصريحات ترامب، سواء كان هناك ارتباط مباشر أم لا، بعدما وصل سعر الديزل في الولايات المتحدة خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى مستوى قياسي بلغ 6.06 دولارات للغالون، مقارنة بـ3.71 دولارات قبل عام.
أما سعر البنزين فبلغ 4.28 دولارات للغالون، مقارنة بـ3.19 دولارات قبل عام.
وتهاجم أوكرانيا منذ أشهر صناعة النفط والغاز الروسية بواسطة طائرات مسيّرة بعيدة المدى.
وأدت الضربات إلى تقنين الوقود في أنحاء روسيا، كما دفعت موسكو في تموز إلى حظر تصدير الديزل، ما قلّص بصورة إضافية الإمدادات في السوق العالمية.
كما يرتبط النقص العالمي في الوقود بالحرب في إيران، التي أثرت في شحنات النفط عبر مضيق هرمز.
وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية، بلغ تصدير الديزل من دول الخليج في آب ما يزيد قليلًا عن ربع مستواه الذي كان عليه قبل اندلاع الحرب في إيران في شباط.
وقالت الوكالة إن تضرر منظومة المصافي الروسية والانخفاض الحاد في صادرات منتجات الوقود نتيجة تصاعد الهجمات الأوكرانية فاقما أزمة النقص.
ومن جهتها، تقول كييف إن صناعة النفط الروسية تمول الحرب من جهة، وتوفر لموسكو الوقود اللازم لمواصلة عملياتها العسكرية في أوكرانيا من جهة أخرى.
ورغم دعوة ترامب، استمرت الهجمات المتبادلة على البنى التحتية الحيوية.
وخلال الليلة نفسها، أعلنت السلطات الروسية مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين في منطقة نيجنكامسك في تتارستان، حيث توجد مصافٍ للنفط ومنشآت صناعية رئيسية.
كما أعلنت أوكرانيا أنها أصابت مصفاة نفط كبيرة في سلافيانسك على نهر كوبان في مقاطعة كراسنودار.
ولا يُعرف عن إجراء اتصال حديث بين ترامب وزيلينسكي، إلا أن المعروف أن الرئيس الأميركي تحدث الأسبوع الماضي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأشار التقرير إلى أن أحداثًا سابقة أظهرت أنه بعد اتصالات ترامب مع بوتين، يميل الرئيس الأميركي إلى إطلاق تصريحات علنية أكثر تشددًا تجاه أوكرانيا وطريقة إدارتها للحرب.
وقال كيريلو بودانوف، رئيس مكتب زيلينسكي، أمس إن الرئيس الأوكراني قد يستأنف الاتصالات مع الولايات المتحدة وروسيا لإنهاء الحرب اعتبارًا من الشهر المقبل، وذلك بعد زيارة مبعوثَي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو وكييف.
وبين حصار أوليشكي والهجمات المكثفة قرب حدود الناتو، وصولًا إلى مطالبة واشنطن كييف بكبح أكثر أدواتها ضغطًا على موسكو، تدخل الحرب مرحلة تتشابك فيها الجبهة العسكرية مع أزمة الطاقة والحسابات السياسية الدولية بصورة أكثر تعقيدًا.
