إذا استطاعت الدولة أن تحوّل الانتشار العسكري في مدينة النبطية إلى حماية فعلية للناس، فيمكن عندها أن يُقال أن عاصمة جبل عامل ستنجو مما تخطّط له إسرائيل قبل أن تمتد إليها يدها على غرار ما فعلته مؤخرًا في تلة علي الطاهر، وقبلها في بنت جبيل وفي الخيام، لأن المشكلة التي تواجهها البيئة الشيعية هي السؤال عمن يحمي الناس عندما يصبح الجنوب والنبطية ساحة مواجهة؟

لعقود طويلة، قُدّم السلاح خارج الدولة على أنه ضمانة للبيئة الشيعية في مواجهة إسرائيل. لكن الحرب الحالية تفرض سؤالًا مختلفًا: إذا كان وجود السلاح لم يمنع وصول الحرب إلى القرى والبلدات، وإذا كانت إسرائيل تستطيع ضرب مناطق عميقة نسبيًا في الجنوب والنبطية، فهل لا يصبح وجود الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية هو الخيار الأكثر واقعية لحماية السكان؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يأخذ انتشار الجيش في النبطية معنى يتجاوز تنفيذ قرار حكومي بحصر السلاح. فالجيش عندما ينتشر في مدينة مثل النبطية، لا ينتشر في أرض محايدة اجتماعيًا وسياسيًا. إنه يدخل إلى قلب جبل عامل، إلى منطقة لها خصوصيتها وذاكرتها السياسية والمقاومية، وبالتالي فإن نجاحه لا يُقاس بعدد الحواجز أو الدوريات فقط، بل بقدرته على أن يقول للناس عمليًا: الدولة موجودة، والأمن ليس حكرًا على أي حزب أو تنظيم.وهذا يفسر أيضًا حساسية المرحلة. فالتفاهم الأميركي الذي يُفترض أن يقود إلى نزع سلاح ”

حزب الله” وإعادة تثبيت سيطرة الجيش جنوبًا تعثّر، فيما تقول تقارير إن الجيش أبدى استعدادًا لتولي السيطرة، بينما استمر الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح.

لكن هناك شرط أساسي، وهو أنه لا يمكن أن يُطلب من الجيش أن يحمي جبل عامل فيما يبقى الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية أو يواصل ضرب المنطقة من دون معالجة سياسية وأمنية موازية. وهنا تصبح المعادلة أكثر واقعية وفق تراتبية زمنية كالآتي: انسحاب إسرائيلي، ثم انتشار للجيش، ثم أمن فعلي للسكان ، ثم حصرية قرار الحرب والسلم، فبداية استعادة الدولة لجبل عامل.
أما إذا اقتصر الأمر على انتشار الجيش داخل مناطق يتواصل قصفها، من دون قدرة حقيقية على حماية السكان أو وقف الاعتداءات، فقد يتحول الانتشار في نظر البعض إلى مجرد تغيير في الجهة التي تدير الأزمة، لا إلى حل لها.
لذلك، فإن إنقاذ عامة جبل عامل لا يكون بإخراج حزب وإدخال جيش فقط. الإنقاذ الحقيقي يكون عندما يشعر المواطن الجنوبي، شيعيًا كان أو غير شيعي، أن لديه دولة تحميه، وقانونًا يحميه، وجيشًا قادرًا على الدفاع عنه، وأن أرضه ليست ورقة تفاوض بين إسرائيل و”حزب الله” أو بين أي قوى إقليمية.
وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى، وهي أن أقوى رسالة يمكن أن توجهها الدولة إلى البيئة الشيعية ليست “سلّموا السلاح”، بل “الدولة مستعدة لتحمّل مسؤولية حمايتكم”.
فإذا نجحت الدولة في تقديم هذه المعادلة، فقد يصبح انتشار الجيش في النبطية ليس تراجعًا للبيئة الشيعية، بل خروجًا لها من دائرة الاستنزاف والحرب، وعودةً بها إلى حضن الدولة التي يفترض أن تكون ملاذها الأول والأخير.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version