لحماية أرض الجنوبيين من الانتقال إلى جهات مجهولة، تقترح الدولة منع أصحابها من بيعها. هذه هي المفارقة التي يفتحها مشروع القانون الذي وافق عليه مجلس الوزراء لمنع التصرف بالبيوعات العقارية في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي.
لكن أول ما ينبغي توضيحه أن البيع لم يُمنع بقانون نافذ بعد. فما أقره مجلس الوزراء هو مشروع قانون تقدمت به وزارة المال، وسيُحال إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره أو تعديله. وقد شدد وزير الإعلام بول مرقص بعد الجلسة على أن ما حصل ليس قراراً نهائياً من الحكومة، بل إقرار لمشروع قانون يستكمل مساره في البرلمان.
الفكرة التي تقف خلف المشروع تنطلق من خطر حقيقي. فالاحتلال والتهجير والدمار وفقدان مصادر الدخل تضع أصحاب العقارات تحت ضغط اقتصادي قاس، وقد تدفع بعضهم إلى بيع أراضيهم بأسعار بخسة. كما تثير الفوضى مخاوف من دخول مشترين بواسطة شركات أو وسطاء يحجبون هوية المستفيد الفعلي من الصفقة.
غير أن الحكومة لم تكشف عن رصد عملية شراء مشبوهة محددة. وعندما سُئل وزير الإعلام عن وجود مثل هذه العمليات، لم يقدم واقعة تثبت حصولها، واكتفى بوضع المشروع في إطار الإجراءات التي يفترض بالحكومة اتخاذها. وبالتالي، فإن القانون المقترح يتعامل مع خطر محتمل واستباقي، لا مع شبكة شراء ثبت وجودها حتى الآن.
وبحسب صيغة من المشروع نشرتها “النهار”، يستثني المنع العقود واتفاقيات البيع والوكالات غير القابلة للعزل المنظمة قبل 8 تشرين الأول 2023. وهذا الاستثناء يفتح بدوره أسئلة حساسة: لماذا اختير هذا التاريخ تحديداً؟ وما مصير العقود التي أبرمت بعده بحسن نية، وقبل طرح المشروع أو إقراره؟ وهل يمكن لقانون جديد أن يعطل مفاعيل اتفاقات قانونية سابقة من دون معالجة واضحة للحقوق المكتسبة؟
العقدة الأولى تبدأ من تعريف المنطقة المشمولة. هل يطال المشروع العقارات الواقعة داخل المواقع التي تسيطر عليها إسرائيل مباشرة، أم جميع البلدات التي يمنع سكانها من العودة إليها؟ وهل يمتد إلى قرى شمال الليطاني التي تشهد انتشاراً إسرائيلياً أو عمليات عسكرية، أم يقتصر على لائحة مغلقة؟
تحديد هذه المناطق لا يمكن أن يترك لعبارة عامة. فالقانون يحتاج إلى خريطة رسمية وأرقام عقارات واضحة، وإلى جهة مخولة تحديث اللائحة كلما تغير الانتشار الميداني. وإلا قد يصبح عقاران متجاوران خاضعين لمعاملتين مختلفتين، أو يمتد المنع إلى مالك لا يقع عقاره فعلياً تحت الاحتلال.
أما العقدة الثانية، فتتعلق بنطاق التصرفات التي سيمنعها المشروع. فإذا اقتصر النص على عقد البيع المباشر، يصبح الالتفاف عليه ممكناً من خلال الهبة أو المقايضة أو الوكالة غير القابلة للعزل أو الوعد بالبيع أو الرهن الذي ينتهي بالتنفيذ على العقار.
ويمكن أن يكون الالتفاف أكثر تعقيداً عندما يكون العقار مملوكاً من شركة. ففي هذه الحالة، لا حاجة إلى بيع الأرض نفسها، بل يمكن نقل ملكية أسهم الشركة أو السيطرة عليها، فيما يبقى اسم المالك المسجل للعقار على حاله. لذلك لا تكفي مراقبة السجل العقاري، بل يجب كشف هوية المستفيد الاقتصادي الحقيقي من كل عملية.
كما يحتاج المشروع إلى معالجة حالات لا تحمل طابعاً تجارياً، مثل انتقال الملكية بالإرث، والقسمة بين الورثة، وتصحيح الأخطاء في السجلات، وإنشاء الوقف، وتنفيذ الأحكام القضائية. فالتجميد الشامل قد يمنع عمليات ضرورية لحماية الملكية نفسها، لا لبيعها.
وتزداد حساسية الملف مع المعلومات التي تفيد بأن الإدارات المختصة لم تتمكن من سحب السجلات العقارية وسجلات النفوس من سرايا بنت جبيل، بخلاف ما حصل في مرجعيون والنبطية. هنا لا تعود المشكلة مقتصرة على منع البيع، بل تصل إلى حماية أصل السجل الذي يثبت هوية المالك وحدود العقار والحقوق المترتبة عليه.
ومن الناحية الدستورية، تحمي المادة 15 من الدستور الملكية الخاصة، ولا تجيز نزعها إلا لأسباب تتعلق بالمنفعة العامة، وفق القانون وبعد تعويض عادل. والمشروع لا ينزع الملكية من أصحابها ولا ينقلها إلى الدولة، لكنه يقيّد أحد أبرز عناصرها، وهو حق التصرف بها.
لذلك، لا تُحسم دستورية المشروع بمجرد وجود مصلحة وطنية وراءه. الاختبار الحقيقي يكمن في أن يكون التقييد محدداً في المكان والمدة، ومتناسباً مع الخطر، وخاضعاً للمراجعة، وألا يتحول إلى حرمان مفتوح من البيع أو الانتفاع بالقيمة الاقتصادية للعقار.
ويطرح ذلك سؤالاً اجتماعياً لا يقل أهمية عن السؤال السيادي: ماذا عن مالك اضطر إلى البيع لتغطية كلفة الطبابة أو السكن أو إعالة عائلته بعد تهجيره؟ الدولة قد تمنعه من بيع أرضه لحمايتها، لكنها لا تستطيع تركه من دون تعويض أو مساعدة أو بديل اقتصادي يحول دون تحوله إلى أسير لملكيته.
ولبنان يملك سابقة قريبة بعد انفجار مرفأ بيروت، عندما جُمدت بعض التصرفات العقارية في المناطق المتضررة لمنع استغلال أصحاب المنازل والمحال وشراء أملاكهم بأسعار منخفضة. لكن تلك التجربة أثارت اعتراضات قانونية مرتبطة بتقييد الملكية، وهي تستحق المقارنة من حيث المدة والاستثناءات وآلية التنفيذ والنتائج الفعلية.
ويبقى السؤال الأصعب: متى ينتهي المنع؟ هل يُرفع فور انسحاب القوات الإسرائيلية، ومن هي الجهة التي تعلن انتهاء الاحتلال في كل عقار أو بلدة؟ وهل يخضع التجميد لمراجعة دورية، أم يبقى قائماً إلى موعد سياسي غير محدد؟
حماية أرض الجنوب هدف وطني لا خلاف عليه، لكن العنوان وحده لا يكفي. فالقانون الناجح يجب أن يمنع انتقال الملكية إلى الواجهات والمستفيدين المجهولين، من دون أن يعاقب المالك الجنوبي أو يعلّق حقوقه إلى أجل غير معروف.
المطلوب ليس فقط تجميد البيع، بل حماية السجلات، وكشف المشترين الحقيقيين، وإقفال أبواب التحايل، ووضع مهلة واضحة، وتأمين طريق سريع للاعتراض أمام القضاء. والأهم أن تترافق الحماية القانونية مع التعويض وإعادة الإعمار ودعم الصمود، لأن أفضل وسيلة لمنع بيع الأرض ليست حبسها في السجل، بل تمكين صاحبها من البقاء فيها.
