كتب طوني عيسى في الجمهورية:
فيما تجهد إسرائيل بسرعة وإصرار لتوسيع «الخط الأصفر»، حيث باتت النبطية على وشك اللحاق ببنت جبيل، رمت في سوق التداول مشروع «الخط الرمادي». هو أقل طموحاً جغرافياً، لكنه أكثر تشدّداً في السيطرة. وهكذا، خلطت إسرائيل كل مناوراتها وخطوطها في سلة واحدة. وعلى طاولة التفاوض، سيكون متعذّراً على لبنان أن يرسم حدود الاشتباك، لأنّه ضائع وضعيف: هل يطالب بأولوية وقف تمدّد الخط الأصفر ليزحف إلى النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان، أم يستفيد من تقليص السيطرة مرحلياً إلى خط رمادي بين 2 كلم و4 كلم، أم يواصل التركيز فقط على الخيار النهائي، أي الانسحاب الكامل، ولو بدا أنّه مستحيل حتى إشعار آخر؟ تاريخ
ليس سراً أنّ إسرائيل تريد تثبيت منطقة سيطرة لها على امتداد حدودها مع لبنان وسوريا. فقد أعلن قادتها عن ذلك مراراً. ويتردّد أنّ «المنطقة الأمنية الشمالية» ستكون واحدة، أي أنّها تجمع الجنوب اللبناني بالجنوب السوري، من دون عوائق حدودية. ويمكن التفكير بالطابع الأمني لهذه المنطقة، ولكن أيضاً لا يمكن استبعاد ربطها بالعقيدة الإسرائيلية العابرة للأحزاب والشخصيات، من نتنياهو وبن غفير إلى أيزنكوت، والتي تقوم على رسم هندسة جغرافية جديدة لكيان إسرائيل، بتكريس التوسع من غزة والضفة إلى سوريا ولبنان.
ومن هنا، يمكن التفكير في «السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، وتفكيك الشبكة الرئيسية للأنفاق في محيطها. فالهدف الإسرائيلي هنا يتجاوز مجرد السيطرة على موقع عسكري استراتيجي، إلى فرض الوقائع الجغرافية الدائمة. ولذلك، وفيما كان المحللون يعتقدون أنّ خطوات إسرائيل التالية ستكون التوسع نحو إقليم التفاح وجبل الريحان، سرّب مسؤولوها الأمنيون معلومات مفادها أنّهم في صدد التخطيط لتقليص انتشارها من الخط الأصفر إلى «خط رمادي»، يتوغل في عمق الجنوب ما بين 2 كلم و4 كلم… فقط.
مبدئياً، كان ذلك مفاجئاً وغير مبرّر في سياقه، لأنّ المنتصر في علي الطاهر ليس مضطراً إلى تقليص سيطرته بهذا الشكل المفاجئ، وبلا مبرر منطقي… إلّا إذا كانت إسرائيل تهدف إلى المناورة بتوجيه رسالة شكلية إلى لبنان والأميركيين مفادها أنّها مستعدة لبدء انسحاباتها فعلياً من لبنان، إذا تمّت تلبية الشرط الأساسي، نزع سلاح «حزب الله» من لبنان كله. سياسة
لكن اللافت، هو أنّ إسرائيل لوّحت بإقامة عشرات المواقع العسكرية الدائمة على امتداد هذا «الخط الرمادي»، أي أنّها تهدّد بفرض منطقة أمنية بإجراءات مُشدّدة بحكم الأمر الواقع، وفي قرى لم تعد موجودة على الخريطة. وفي الموازاة، ستحافظ على «سلطتها النارية» لتطاول كامل مناطق النبطية وصور والزهراني وامتداد خطي الليطاني والزهراني. ولذلك، هناك مغزى عميق للتصعيد اللافت في موجات الغارات والقصف والتفجير في مناطق عدة، ولاسيما النبطية وكفررمان وزوطر الشرقية والمنصوري، بعد الاستيلاء على علي الطاهر.
الإسرائيليون مطمئنون إلى أنّ الذريعة التي يستخدمونها للمضي في التوسع، أي نزع سلاح «حزب الله» من لبنان كله، كشرط مسبق لأي انسحاب من أي قرية في الجنوب، ستبقى دائماً. فهم يعرفون أنّ لبنان الرسمي لن يخوض مواجهة مع «الحزب» من أجل السلاح، أياً كانت الحيثيات. ولذلك، هم يناورون برمي تسميات الخطوط وتحديد أعماقها المتفاوتة، من الخط الأزرق إلى خط النقاط الحدودية (5 أو 8 أو 23…) إلى الأصفر والليطاني والزهراني، وصولاً إلى الرمادي وسوى ذلك. لكنهم في الواقع ماضون في التوسع الاستراتيجي، وفق مشروع تتطابق فيه رؤى اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، مع أطروحات المؤسسة العسكرية والأمنية ممثلة بأيزنكوت وغيره. والدليل إفراغ القرى من سكانها، ومحو جزء كبير منها عن الخريطة، ورسم شريط أمني جديد يُلغي عملياً الحدود الرسمية والقرارات الدولية.
ولعلّ أكثر ما يُخشى هو أن يكون هذا «الخط الرمادي» طرحاً لنواة تريد إسرائيل إفهام الجميع بأنّها صارت خارج التداول والنقاش في المفاوضات، ما يحوّل جولة روما المرتقبة من مسار لاستعادة الأراضي والمحتجزين إلى منصة لإرغام لبنان على التوقيع على تنازلات أمنية وجغرافية، لم يحدّد عمقها بعد، باسم الترتيبات الأمنية.
وجاء بيان «حزب الله» الأخير ليكرّس الإرباك في المشهد السياسي الداخلي. وإذ تجنّب البيان الخوض في التفاصيل الميدانية الخاصة بسقوط مرتفعات علي الطاهر، علماً أنّها المسألة الأكثر حساسية بالنسبة إليه، فقد انصرف إلى التهشيم بخيارات السلطة الرسمية، ووصف «الانزلاق» نحو المفاوضات بأنّه عمل إذلال ولا جدوى منه، مؤكّداً التمسك بالسلاح. وهذا السقف السياسي العالي يُجرّد الوفد اللبناني المفاوض من أي هامش، ويمنح إسرائيل ذريعة دائمة لمواصلة التوغل، خطاً بعد آخر، حتى بات الجنوب كله في قبضتها. تاريخ
المشكلة أنّ «حزب الله» ليس في صدد أي مراجعة لحساباته، على رغم الكوارث. والآتي أعظم بالتأكيد. ولتبق العين أولاً على النبطية. إنّه يعلن خوض الحرب تحت شعار الدفاع عن الجنوب ولبنان و«إسناد الجبهات»، لكن الحصاد هو الخسارة التي تتضخم في شكل كارثي. وفي الواقع، نهج «الحزب» هو الذي وفّر لإسرائيل أفضل الذرائع لقضم الجنوب، قطعة تلو قطعة، وتدمير قراه وتهجير عائلاته، تماماً كما تسبَّبت «حماس» في تمكين إسرائيل من إحكام قبضتها على غزة والضفة الغربية. فعلاً، إسرائيل محظوظة بأعدائها.
