يشير بعض التقارير الأمنية والمتابعات الميدانية إلى أن مرحلة ما بعد تلة علي الطاهر قد تكون أكثر خطورة من المرحلة التي سبقتها، ليس فقط بفعل ما تحمله هذه التلة من أهمية استراتيجية، وإنما لأن ما يجري حولها يتقاطع مع مسار سياسي وأمني أوسع يتعلق بمستقبل الجنوب وحصرية السلاح ودور الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة.
فإسرائيل، التي أعلنت تحقيق “السيطرة العملياتية” على المنطقة، تبدو متجهة نحو تثبيت وقائع ميدانية جديدة في الجنوب، بالتوازي مع استمرار الضغط السياسي على الدولة اللبنانية من أجل استكمال مسار حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وفي هذا السياق، لا تبدو معركة علي الطاهر، وفق قراءات أوساط متابعة، منفصلة عن المعركة الأكبر على شكل المرحلة المقبلة. فكلما تقدّم الجيش في تنفيذ مهمته، وكلما ارتفع الضغط السياسي لتطبيق قرار حصرية السلاح، تصبح المواقع التي كان “حزب الله” يعتبرها جزءًا من منظومته الدفاعية موضع اختبار مباشر. ومن هنا تبرز خطورة ما بعد علي الطاهر. فهل تكتفي
إسرائيل بما حققته ميدانيًا، أم تعتبر أن تثبيت السيطرة على هذه المنطقة يجب أن يكون مقدمة للانتقال إلى أهداف أخرى إذا بقي المسار السياسي متعثرًا؟
الأخطر في هذه المعادلة أن استمرار الرفض، سواء من قِبل “حزب الله” أو من قِبل طهران، لأي صيغة تؤدي إلى إنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، قد يدفع إسرائيل إلى توسيع دائرة الضغط. وتقول أوساط متابعة إن السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في انتقال العمليات العسكرية، إذا فشلت الضغوط السياسية والأمنية، من الجنوب إلى مناطق أخرى، بما يعني أن الجغرافيا العسكرية للصراع قد لا تبقى محصورة بالمنطقة الحدودية.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فإذا كان الجنوب يشكل ساحة الاشتباك المباشر، فإن انتقال العمليات إلى خارج الجنوب يعني عمليًا دخول لبنان في مرحلة مختلفة، قد تصبح فيها الرسائل العسكرية موجهة ليس فقط إلى الحزب، بل إلى البيئة السياسية التي تحول دون حسم ملف السلاح. وعندها قد يتداخل المساران السياسي والعسكري بصورة غير مسبوقة، أي ضغط سياسي لإجبار الدولة على استكمال مسار حصرية السلاح، وضغط عسكري إسرائيلي لفرض وقائع تجعل أي تسوية لاحقة أكثر كلفة على الحزب وعلى الدولة في آن واحد.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا سيكون موقف “حزب الله” إذا انتقل الضغط من الجنوب إلى العمق اللبناني، وهل ستتعامل طهران مع التصعيد باعتباره معركة يجب خوضها، أم ستبحث عن مخرج يحفظ ما يمكن حفظه من النفوذ والسلاح؟ وفي المقابل، هل تستطيع الدولة اللبنانية استكمال مسارها السياسي من دون أن تتحول إلى طرف في مواجهة مفتوحة، خصوصًا إذا وجدت نفسها بين ضغط إسرائيلي متصاعد وضغط داخلي لتنفيذ قراراتها؟
لذلك، قد لا تكون مرحلة ما بعد علي الطاهر مجرد فصل جديد في المواجهة الجنوبية، بل اختبار حقيقي لما إذا كان لبنان يتجه نحو تسوية سياسية متدرجة لملف السلاح، أم نحو مسار أكثر قسوة عنوانه فرض الحسم السياسي على الأرض. وفي هذه الحالة، لن يعود السؤال يتمحور حول المعركة المقبلة، بل عن المرحلة التي سيصبح فيها الحسم السياسي مرتبطًا، للمرة الأولى، بحسم ميداني يتجاوز حدود الجنوب؟
