الحربُ الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل كشفت الكثير مما بقي لسنوات طويلة بعيداً عن الأضواء. في الواقع، هناك منشآت عسكرية وتحصينات ومواقع ظلت سرية ظهرت مؤخراً إلى العلن، فيما أظهرت العمليات الإسرائيلية حجم الخروقات التي تعرض لها الحزب وانعكاساتها على واقعه العسكري والميداني.

ما يجري اليوم في تلال علي الطاهر بعد إعلان إسرائيل السيطرة عليها “عملياتياً”، يفتح ملفاً أكثر حساسية يرتبط بالبنية العسكرية التي عمل “حزب الله” على تطويرها تحت الأرض، ويطرح بالتالي سؤالاً أساسياً: هل ما زالت “عقيدة الأنفاق” قادرة على أداء الدور الذي بُنيت من أجله؟

يقولُ مصدر معني بالشأن العسكري إنَّ مفهوم “عقيدة الأنفاق” لدى الحزب لا يقتصر على حفر ممرات أو إنشاء مخازن ومنشآت محصنة، بل يرتبط بفلسفة عسكرية أوسع تقوم على نقل جزء من البنية القتالية إلى تحت الأرض، وعدم حصر الحركة والقدرات والمنشآت العسكرية بما هو موجود فوقها.

خلال السنوات الماضية، استثمر الحزب بصورة كبيرة في هذه العقيدة باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها الحد من تأثير التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي. وعملياً، فإنَّ وجود منشآت تحت الأرض يسمح نظرياً بحماية عناصر وعتاد ووسائل عسكرية، وتأمين قدر أكبر من حرية الحركة والاستمرارية في القتال في ظل المراقبة الجوية والاستهداف المستمر. ومن هنا، لم تكن الأنفاق بالنسبة إلى الحزب مجرد تحصينات دفاعية، بل جزءاً من منظومة متكاملة تقوم على الحماية والتمويه والحركة والحفاظ على القدرات العسكرية بعيداً عن الرصد المباشر.

إلا أن فعالية هذه العقيدة ترتبط بعنصر أساسي هو السرية، فالمنشأة الموجودة تحت الأرض تكتسب أهميتها عندما تبقى مواقعها ومداخلها وطبيعة استخدامها بعيدة عن معرفة الخصم، في حين أن اكتشافها أو تحديد طرق الوصول إليها يقلص جزءاً أساسياً من القيمة العسكرية التي أُنشئت من أجلها.

وهنا تحديداً تبرز أهمية ما يجري في علي الطاهر. إذا كانت إسرائيل قد تمكنت من الوصول إلى منشآت تحت الأرض والعمل داخلها، فإن المسألة تتجاوز البعد الميداني المباشر لتطرح تساؤلات حول مدى الاختراق الذي أصاب إحدى الركائز التي اعتمد عليها الحزب لحماية بنيته العسكرية.

في المقابل، يبدو أن إسرائيل طورت بدورها مقاربتها لهذه المسألة، فبعدما كان التركيز الأساسي ينصب على رصد المواقع والمنشآت والتحركات فوق الأرض، انتقل جزء من الجهد العسكري والاستخباراتي إلى البحث عن البنية الموجودة تحتها، مستفيدة في ذلك من الخبرة التي راكمتها خلال حربها في غزة، مع الإقرار بالاختلاف الكبير بين طبيعة الأرض والمنشآت والظروف العسكرية في الساحتين

اللبنانية والفلسطينية.

وبهذا المعنى، قد لا يكون الهدف الإسرائيلي في علي الطاهر محصوراً بإغلاق أنفاق أو تعطيل منشآت بعينها، بل بإظهار القدرة على الوصول إلى مواقع كان يفترض أن تبقى محمية بالعمق والسرية.

مع ذلك، فإن ما انكشف حتى الآن لا يسمح بالقول إن كامل البنية التحتية العسكرية لـ”حزب الله” تحت الأرض أصبحت معروفة. حتماً، ما زالت هناك، بطبيعة الحال، منشآت وقدرات لم تظهر إلى العلن، كما أن الحزب لن يكشف حجم ما يملكه أو طبيعة الإجراءات التي اتخذها لحماية ما تبقى من بنيته العسكرية.

لذلك، فإن الحديث عن انتهاء “عقيدة الأنفاق” قد يكون مبكراً، لكن ما أفرزته الحرب وما يجري في علي الطاهر تحديداً قد يفرضان على الحزب إعادة تقييم هذه العقيدة، خصوصاً إذا تبين أن السرية التي شكلت أحد أهم عناصر قوتها لم تعد بالمستوى الذي كانت عليه سابقاً.

ومن هنا، قد يكون التحدي أمام الحزب في المرحلة المقبلة مرتبطاً بكيفية تطوير هذا النموذج، سواء عبر تغيير طرق إنشاء المنشآت أو توزيعها أو حمايتها أو أساليب استخدامها، بما يتناسب مع حجم القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي أظهرتها إسرائيل خلال الحرب. أما ميدانياً، فإن قضية علي الطاهر لا تتوقف عند حدود الأنفاق والمنشآت الموجودة فيها، فما يجري يمكن اعتباره خسارة ميدانية للحزب في

جنوب لبنان، إلا أن التداعيات قد تكون أوسع من ذلك، خصوصاً إذا استخدمت إسرائيل وجود هذه المنشآت لتبرير استمرار عملياتها أو بقائها في نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

أمام كل ذلك، فإن التمدد الإسرائيلي الذي حصل في المنطقة قد يفتح الباب أمام محاولة تكريس وجود أطول أمداً تحت عنوان منع إعادة بناء منشآت عسكرية أو إبعاد أي تهديد محتمل عن الحدود. وفي هذه الحالة، تنتقل قضية علي الطاهر من مسألة عسكرية مرتبطة بمنشآت تحت الأرض إلى قضية تتصل مباشرة بشكل المنطقة الأمنية التي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب لبنان.

ويزداد هذا الاحتمال حساسية في ظل عدم وجود مواجهات ميدانية فعلية توقف التقدم الإسرائيلي، ما يجعل أي تحرك جديد على الأرض قابلاً لأن يتحول تدريجياً إلى واقع يصعب تغييره لاحقاً.

وعليه، فإن ما يجري في علي الطاهر لا يعني بالضرورة نهاية “عقيدة الأنفاق” لدى “حزب الله”، لكنه يكشف حجم التحدي الذي بات يواجهها. حُكماً، أظهرت الحرب أن الانتقال إلى تحت الأرض لا يوفر الحماية الكاملة إذا تمكن الخصم من اختراق دائرة السرية والوصول إلى المنشآت نفسها. ولهذا، فإن المسألة لم تعد مرتبطة بوجود الأنفاق من عدمه، بقدر ما ترتبط بقدرة الحزب على إبقاء ما لديه تحت الأرض بعيداً عن الرصد والوصول الإسرائيليين، في وقت باتت فيه الحرب الاستخباراتية على هذه المنشآت جزءاً أساسياً من المواجهة بين الطرفين.

شاركها.

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version