بعد 6 أشهر من المواجهة والضغط العسكري والاقتصادي من دون تسوية تحسم الصراع، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح ورقة الداخل الإيراني، داعيًا المواطنين إلى الانتفاض ضد النظام للمرة الأولى منذ بداية الحرب، في خطوة تعكس، وفق تقديرات أوردها تقرير إسرائيلي، صعوبة الوصول إلى مخرج دائم واحتمال دخول واشنطن وطهران في واقع طويل من “الجولات” المتبادلة.
وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع “N12” الإسرائيلي، دعا ترامب ليل الثلاثاء – الأربعاء الإيرانيين إلى الخروج والانتفاض ضد النظام، وذلك في منشور عبر منصة “تروث سوشال” أعقب الضربات التي نفذها الجيش الأميركي مساء أمس في منطقة مضيق هرمز.
وكتب ترامب: “متى سينتفض الشعب الإيراني ويقاتل؟”، فيما أفادت تقارير من إيران بأن 7 عناصر على الأقل من الحرس الثوري قُتلوا في الضربات الأميركية.
ويرى التقرير أن ترامب يعود بذلك إلى خيار التحرك الشعبي ضد النظام الإيراني، وهو مسار لم يستخدمه بصورة واسعة خلال الحرب واقتصر حضوره أساسًا على مراحلها الأولى.
فعلى امتداد 6 أشهر من القتال، كان ترامب يأمل في التوصل إلى اتفاق مع إيران ينهي الحرب أو يفضي، في الحد الأدنى، إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بينما تراجع خلال تلك الفترة الرهان على دفع الإيرانيين إلى التحرك ضد السلطة في طهران.
وفي بداية الحرب، وبعد انطلاق الضربات مباشرة، قال ترامب إنه يتوقع خروج المواطنين الإيرانيين ضد النظام، وطالبهم حينها بأن “ينتظروا حتى يبلغهم متى ستتوقف القنابل عن السقوط”.
وبعد أكثر بقليل من شهر، توقفت القنابل بالفعل، إلا أن ترامب لم يدعُ الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع، حتى اليوم.
ووفق تقارير أوردها “N12″، تخلت كل من إسرائيل والولايات المتحدة في مرحلة مبكرة من الحرب عن السعي لإسقاط النظام الإيراني، رغم أن الضربات بدأت في وقت بدا فيه النظام، بحسب التقرير، في أضعف وضع مرّ به على الإطلاق.
وبعد القمع الذي مارسه النظام ضد مواطنيه خلال احتجاجات كانون الثاني، والذي أدى، وفق التقرير، إلى سقوط آلاف وربما عشرات الآلاف من المواطنين، بات من الصعب تقدير كيف ومتى يمكن للإيرانيين أن يجرؤوا على العودة إلى الشوارع على نطاق واسع، خصوصًا بعدما تبددت آمالهم بالحصول على مساعدة من ترامب، في ظل بقاء منشوره الشهير في كانون الثاني، “المساعدة في الطريق”، في الذاكرة.
ويشير التقرير إلى أن ترامب مصمم على إنهاء الحرب بشروط يستطيع تقديمها على أنها إيجابية بالنسبة إليه، إلا أن طهران ترفض حتى الآن منحه هذه الفرصة وتواصل بدورها رفع مستوى اللهجة والضغط.
وتكشف تصريحات ترامب الأخيرة، وفق القراءة الواردة في التقرير، أنه يراهن على أن يؤدي الضغط الاقتصادي الأميركي المتزايد إلى دفع المواطنين الإيرانيين نحو الاحتجاج.
ويأتي ذلك بعدما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نهاية الأسبوع أن أسعار الوقود في البلاد مرشحة للارتفاع، وهي قضية سبق أن أشعلت احتجاجات واسعة عام 2019.
وتشير سلسلة من التقارير الإيرانية والأجنبية إلى أن الضغوط الاقتصادية تفرض بالفعل أعباءً كبيرة على المواطنين الذين باتوا مضطرين إلى المفاضلة بين الإنفاق على الطعام والنقل واحتياجات أساسية أخرى.
ومن زاوية نقدية، رأى التقرير أن دعوة ترامب قد تعكس أيضًا حالة من الضيق السياسي، وكأنه ينتظر مساعدة من عامل آخر لم يعد يملك السيطرة عليه، بعد ما يبدو أنه استنفاد لمعظم أدوات التحرك المتاحة أمامه.
ونقل التقرير عن محللين في الأمن القومي تحدثوا إلى صحيفة “نيويورك تايمز” أن الضربات الأخيرة على إيران تُظهر مدى صعوبة إنهاء ترامب للمواجهة.
وقال آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، والذي عمل مع 6 وزراء خارجية أميركيين في إدارات ديمقراطية وجمهورية: “لا أرى خطوة جوهرية مستعدًا أي من الطرفين لاتخاذها الآن ويمكنها تغيير الاتجاه وخلق مسار للخروج من هذا الوضع”.
ووصف ميلر طبيعة المواجهة بأنها أشبه بحالة من “الغسيل والشطف ثم التكرار”.
وأضاف أن أمرًا واحدًا أصبح أكثر وضوحًا، وهو أن الإيرانيين مستعدون لتحمل الألم حتى لو كان الهدف إبقاء ترامب “داخل الصندوق الذي صنعه لنفسه”.
وبحسب سلسلة من التقديرات، ترى القيادة الحالية في إيران أن استمرارها تحت ضغط اقتصادي وعسكري أميركي يبقى خيارًا أفضل من تقديم تنازلات لإنهاء الحرب وفق شروط لا تناسبها.
من جهته، قال مايكل فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، لـ”نيويورك تايمز”، إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار المواجهة المتبادلة لفترة طويلة، معتبرًا أن الواقع الحالي أصبح عمليًا واقع “جولات” بين إيران والولايات المتحدة.
وقال فرومان، في إشارة إلى الضربات الأميركية أمس وتلك التي نُفذت قبل نحو شهر، إلى جانب إطلاق النار على السفن والحصار في مضيق هرمز: “هذا على الأرجح هو الوضع الجديد بالنسبة إلينا”.
وأضاف أنه من غير المرجح الوصول إلى “حالة بالأبيض والأسود، تكون فيها هناك هدنة كاملة أو يكون مضيق هرمز مفتوحًا بالكامل”.
أما جون هوفمان، الباحث في شؤون الأمن والسياسة الخارجية في معهد “كاتو”، فرأى أنه رغم وضوح رغبة ترامب في الخروج من المواجهة، فإنه لن يقدم على ذلك إذا بدا وكأنه فشل في إظهار القوة والهيمنة.
وأشار هوفمان إلى أن إيران تجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة بالنسبة إلى ترامب، وقال: “فكرة أن إيران لن تستسلم ولن تجثو على ركبتيها هي بالنسبة إليه مفهوم غريب”.
وفي المقابل، أظهرت ضربات مساء أمس والليل، بحسب التقرير، أن الطرفين الأميركي والإيراني لا يتجهان حاليًا نحو تصعيد شامل.
فالجيش الأميركي حرص أمس على تنفيذ ضرباته في مناطق جنوب إيران، ولا سيما قرب مضيق هرمز.
وفي تطور استثنائي، وردت تقارير عن ضربات في مدينة الأهواز جنوب غربي إيران، وهي منطقة بعيدة عن المضيق وأقرب عمليًا إلى الجانب الآخر من الخليج.
وعلى الرغم من التقارير التي تحدثت عن تشغيل منظومات الدفاع الجوي في طهران، لم ترد معلومات عن تعرض العاصمة الإيرانية لضربات، ويُرجح، بحسب التقرير، أن الأمر ارتبط بظهور طائرة معادية في المنطقة.
وكان مسؤول إيراني قد قال لـ”رويترز” أمس، قبل بدء الضربات مساءً واستمرارها خلال الليل، إن “المواجهة مع الولايات المتحدة محدودة وتحت السيطرة”.
ويشير التقرير إلى أن إيران، كما الولايات المتحدة، لا تريد العودة إلى حرب واسعة مع واشنطن، وربما مع إسرائيل أيضًا.
وخلال الليل، استهدفت إيران أهدافًا مرتبطة بقواعد وأصول أميركية في الأردن والكويت والبحرين، وهي أهداف باتت ثابتة ضمن نمط هجماتها.
وفي المقابل، لم تصعّد طهران حتى الآن ضرباتها باتجاه دول أكثر قوة وتأثيرًا في المنطقة، مثل السعودية والإمارات.
وفي حين تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن “مقتل عدد كبير من الجنود الأميركيين في الضربات”، نقل التقرير عن مسؤولين أميركيين رسميين تأكيدهم عدم وقوع إصابات في صفوف القوات الأميركية.
وبذلك، تبدو المواجهة أمام معادلة أكثر تعقيدًا: لا واشنطن قادرة حتى الآن على انتزاع صورة انتصار تنهي بها الحرب، ولا طهران مستعدة لتقديم تنازلات تمنح ترامب هذا المخرج، فيما يعيد الرئيس الأميركي الرهان على الشارع الإيراني في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى أن الصراع قد يتحول من حرب تبحث عن نهاية إلى سلسلة طويلة من الجولات.
